مجلة نوافذ
نوافذ - العدد الثاني
من تنظيم الذكاء الاصطناعي إلى الحق في الرعاية
أجندة حقوقية جديدة في عالم يتداعى
المحرر
هذا هو العدد الثاني من ”نوافذ“، يأتي متأخرًا بعض الشيء ولكن مستفيدًا من التعليقات الثرية التي لم يبخل بها المتابعون والقراء والنشطاء وكل المهتمين بالدفاع عن الحقوق الأساسية لعموم المصريين. التزمنا في هذا العدد بنفس الهيكل الذي أرسيناه في العدد التجريبي من استعراض لآخر المستجدات في الحقل الحقوقي العالمي سواء صدرت عن مؤسسات أممية أو محاكم دولية وإقليمية أو منظمات وشبكات مجتمع مدني عالمي، وكذا عدد من الدراسات والتعليقات وعروض الكتب التي تبحث في دلالات هذه التطورات، وأخيرًا إطلالة على أرشيف الجماعة الحقوقية المصرية لمحاولة الإفادة منه في الجدل الدائر في أوساط الجماعة الحقوقية العالمية والبناء عليه بطبيعة الحال. إلا أننا في هذا العدد، وأخذًا بنصيحة العديد من المعلقين، اتبعنا نهجًا أكثر انتقائيةً في اختيار التطورات التي تستحق التوثيق والإبراز وفقًا لمعيار بعينه، أو خط ناظم واحد، يتفق عليه فريق العمل ويتم توضيحه وشرح أسباب اختياره في الافتتاحية التي بين أيديكم.
المركب المالي- التكنولوجي… فاشية النهاية:
في هذا العدد نستعرض عدد من الوثائق المختارة التي تختلف موضوعاتها المباشرة، ولكنها كلها تدور حول عقدة واحدة تمثل أحد أكبر التحديات أمام الجماعة الحقوقية العالمية وهي العقدة المتمثلة في التلاقي المستجد، والخطير، بين الاحتكارات التكنولوجية العملاقة، من جانب، وأنماط السلطوية السياسية و الإفقار والتهميش الراسخة التي تشكلت في حقب سابقة على بروز هذه الاحتكارات نفسها، من جانب آخر.
هذا التلاقي لم يكن مُتصورًا في بداية الألفية مع انفجار ثورة الإنترنت والاستثمارات المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات، وهي الاستثمارات التي لم تكف عن التوسع منذ هذا الوقت حتى وصلنا إلى فورة الذكاء الاصطناعي بالطبع. في بداية الألفية، كانت مواقف هذه الشركات الرائدة ليبرالية الطابع، وربما بشكل مبالغ فيه أحيانًا. كان الاستثمار في هذا القطاع يعد بتوسيع هامش خيارات المواطنين، وبتقديم حلول مبتكرة و ”خارج الصندوق“ لما يتهدد البشرية من مخاطر وجودية متمثلة في تدهور بيئي وإفقار وتجدد لأنماط التسلط الذكوري أو الأبوي. واكتسبت هذه الوعود قوة دفع إضافية في سياق الثورات العربية مع تصاعد الآمال بقدرة شبكات التواصل الاجتماعي على تمكين المواطنين من الالتفاف على الهياكل السلطوية سواء في المجال السياسي أو المجتمع المدني في عمومه أو حتى في الحياة الخاصة، وكانت التعليقات المؤثرة في حينه تنسب إمكانيات شبه سحرية للتطبيقات الجديدة الصاعدة. وخفتت في هذا الوقت حدّة الأصوات المتشككة وتوارت التساؤلات المنطقية حول هيكل ملكية هذه التكنولوجيا، وأنماط تمويلها، والأثر البيئي لبنيتها الأساسية، وطبيعة الخطابات التي تتبلور من داخل خوارزمياتها، وأشكال السلطة السياسية التي تتوائم مع كل ذلك.
ولكن بعد عقد واحد فقط استيقظت الأصوات المتفائلة من أحلامها الوردية على واقع مخيف يصطف فيه أباطرة الصناعة التكنولوجية بجانب الوجه الأبرز للسلطوية في عالم اليوم- دونالد ترامب - بعد أن ودعوا نزواتهم الليبرالية. ففي سياق سعيها المدروس لمزيد من العقود والإجراءات الحمائية الحكومية، وتخفيف القواعد المنظمة للاستثمار في هذا المجال التي تبطئ من إيقاع النمو ومستويات الربحية، غزلت الاحتكارات التكنولوجية الكبرى بالتدريج خيوط تحالفها مع السلطويات اليمينية الصاعدة التي تقدس المنافسة الحرة - داخل السوق الوطني - بشكل شبه ديني و تسعى للتحرر من الرقابة الديمقراطية بالمجمل. والنتيجة هي انفلات هذه الاحتكارات الرئيسية من أسر التنظيم القانوني المعقد الذي اضطرت إلي الالتزام به - مع قدر من التحايل- خلال عقديّ انطلاقها. تتراجع تلك الشركات اليوم عن التعهد بعدم استخدام تكنولوجياتها في التضييق على الحريات الشخصية والعامة، أو الانصياع لمعايير الشفافية والرقابة الديمقراطية عند تطوير هذه التكنولوجيا وتوريدها، أو الالتزام بمواجهة خطابات الكراهية والتحيز العنصري والجندري والديني عند انتشار خوارزمياتها.
هذا الانفلات التام من القيود الديمقراطية لم يقتصر على التراجع الحثيث عن الوجه الليبرالي، ولكنه قاد القمم المتحكمة في الصناعة التكنولوجية إلى منعطف رجعي خطير. من إيلون ماسك، مالك منصة إكس أو تويتر سابقًا، إلى جيف بيزوس مؤسس عملاق التجارة الإلكترونية ”أمازون"، إلى بيتر تيل، مؤسس ”بلانثير“ صاحبة السبق في تطوير نظم المراقبة الإلكترونية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، نسمع ونقرأ رؤى تشكك في جدارة الغالبية الكاسحة من سكان العالم بالحياة أصلًا إذ أن ”التقدم“ في قاموس هؤلاء العمالقة هو سباق محموم صفري الطابع بين البشر توجهه غريزة البقاء والتسيّد والأنانية، أما التضامن والرعاية المشتركة دون النظر للعرق أو اللون أو الدين فهي عوائق في طريق هذا التقدم وعلامات على ”الانتحار الحضاري“ - وفقًا لجاد سعد أحد منظري اليمين الأميركي ذائعي الصيت - أو أفكار خطيرة على أقل تقدير كما صرّح إيلون ماسك أخيرًا.
وباستغلال ثروة ونفوذ غير مسبوقين تراكموا خلال سباتنا العميق، واستغراقنا في الأحلام الوردية عن قدرات التكنولوجيا، يسعى هؤلاء الأباطرة اليوم إلى صياغة عالمنا على مثال عالمهم الشخصي نفسه المحكوم بالتنافس المحموم والأنانية والغرائز البدائية واستهجان التضامن والتعاطف البشري. نظرة سريعة على هيكل ملكية وسائل التواصل الاجتماعي، أو الشركات الكبرى العاملة في مجال تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، أو حتى وسائط الإعلام التقليدية كالصحف والقنوات الإخبارية الكبرى، أو على خريطة التمويل الخيالي للأحزاب السياسية والشبكات الدينية والمدنية عبر العالم، توضح بما لا يدع مجالًا للشك أن مجالنا العام - أي الحيز الذي من المفترض أن نتواصل فيه كبشر أحرار متساوون - قد تمت السيطرة عليه بشكل شبه تام من قبل طغمة محدودة للغاية، شديدة التطرف في رؤاها، وعبر أشكال من التمويل تعتمد على الاستحواذ على المال العام والأصول العامة من أراضي وبنية أساسية والدفع من خلال أدوات المضاربة والدين التي تطورت منذ الثمانينيات القرن الماضي. والآن ينبه عدد من الخبراء إلى خطر فقاعة جديدة قد يؤدي انفجارها في أي لحظة - كما حدث مع فقاعة الاستثمار العقاري في ٢٠٠٨ - إلى إفقار الملايين وانهيار ما تبقى من أنظمة أمان هشة تحميهم. وبغض النظر عن توقعات الخبراء المختلفة، فالثابت أن هذا النمط من التمويل والاستثمار يؤدي في الحال إلى المزيد من اللامساواة والافتئات على حقوق العمل ومزيد من الاستغلال المباشر.
يضاف إلى ذلك أثر بيئي تخريبي انتبه له العلماء والنشطاء البيئيون مؤخرًا. فالاستثمار في قواعد البيانات الضخمة يعتمد في النهاية على مراكز بيانات عملاقة تستهلك من الطاقة والموارد المائية اللازمة للتبريد ما يقارب استهلاك المفاعلات النووية مثلًا والتي كانت تاريخيًا هدفًا لتعبئة النشطاء البيئيين، بل إن هذه الموارد العامة التي تذهب لتغذية تلك المراكز كانت كفيلة بمد الكهرباء ومياه الشرب لمئات الملايين من الناس فانتهت إلى انتزاع أراضيهم وتخريب محيطها نفسه.
والخطاب الأيديولوجي لتبرير هذا المسار الخطير جاهز: هذه هي شروط التقدم في عالم من الصراع القومي الشرس ومن يقف في طريقها إنما يستسلم لنزعات الضعف والهشاشة الإنسانية والاستسلام الحضاري التي تكبلنا وتشدنا للماضي.
ببساطة نحن بصدد فاشية جديدة مهما حاولت أن تلطف من حدّة خطابها… فاشية تبشرنا بعالم تحكمه أرستقراطية متعددة الأعراق، تدعي اكتساب مكانتها عبر جدارة إبداعية متوهمه، وتتسيّد على فائض بشري ملياري محبوس في كانتونات عرقية ودينية ويتصارع مع بعضه البعض على فرص تزداد محدودية يوميًا. هذا ببساطة ما تسميه الكاتبة الكندية ناعومي كلاين ”بفاشية نهاية الزمن“، أي الفاشية التي لا تبشر بمستقبل مجيد لجمهورها، ولكنها فاشية تعد الناس فقط بالنجاة في صراع صفري على الموارد وفرص الحياة في عالم يتداعى بفعل سياساتها نفسها.
الجماعة الحقوقية في طيف المقاومة:
بالطبع يواجه هذا المُركّب المالي- التكنولوجي في انعطافه الحاد نحو تخوم الفاشية مقاومة واسعة النطاق تنطلق من مواقع مختلفة ومتنوعة وإن كان يجمعها كلها تمسكًا بأبجديات المشروع الحداثي الذي تشكل منذ قرنين أو يزيد من الزمان. يجمع هذا الطيف المقاوم إيمان عميق بالمساواة المطلقة بين الناس، واعتبار النظام الدستوري - الديمقراطي بمثابة حد أدنى لا غنى عنه لتجسيد هذه المساواة في شكل نظم حكم وإدارة، وأن هناك مشترك حضاري عالمي تاريخي يمكن البناء عليه عبر نشر هذه الديمقراطية وتسخير التطور العلمي والتكنولوجي لدعم الحكم الديمقراطي والقيم المساواتية لا العكس. ويجمع هذا الطيف كذلك إيمان عميق بأن حفظ هذه المساواة يقتضي تضامنًا نشطًا مع كل من تحول أنماط التنظيم الاجتماعي القائمة بينهم وبين التمتع بثمار التقدم العلمي والتكنولوجي. هذا الطيف العريض يضم بالطبع حركات اجتماعية وسياسية وتيارات ثقافية بالغة التنوع، وربما التناقض حتى، ولكن يستنفرها جميعًا حتى الآن ضرورة مواجهة هذا الصعود الفاشي الخطير ومحاولة الحيلولة دون هيمنته المطلقة على ما تبقى من مجالنا العام.
في القلب من هذا الطيف تقف الجماعة الحقوقية العالمية بملامحها المتميزة التي تعرضنا لها في افتتاحية العدد التجريبي من ”نوافذ“. نحن بصدد شبكة مترامية الأطراف تمتد عبر مؤسسات الدول والمجتمع السياسي والمدني، من قانونيين و مهنيين وأكاديميين ومثقفين عموميين، ويجمعها مجال عمل واحد يتمحور حول محاولة استخدام القانون الدولي، وتطويره، لإرساء العلاقات الدولية على حد أدنى من القواعد التي تضمن كرامة ورفاه الأفراد في كل مجتمع على حدة. لدى هذه الجماعة ما تقدمه لطيف المقاومة الآخذ في التشكل وذلك بحكم موقعها الموروث النافذ إلى بعض مراكز السلطة سواء في المؤسسات الأممية أو جهاز الدولة في الديمقراطيات الليبرالية، من جهة، وانفتاحها على طيف من الحركات الاجتماعية والسياسية الأكثر جذرية، من جهة أخرى. وتتركز تلك المساهمة، فيما نظن، في مدّ هذه الروافد المقاومة ببدائل قانونية وسياساتية لعقلنة الجموح المالي - الرقمي، أو صياغة حد أدنى لازم لا غنى عنه من القواعد لتنظيم عمل هذه الطغمة: حد أدنى يستند من جانب على معرفة ميدانية بمخاطر هذا الجموح المتزايدة يوميًا، ومن جانب آخر على معرفة تقنية يمكن أن تشكل أساسًا للتوافق بين الحكومات والحركات الاجتماعية الجذرية.
ومنذ زلزال الأزمة المالية العالمية في ٢٠٠٨ وما تبعه من إجراءات تقشفية حادة ألقت بمئات الملايين في مهاوي الفقر، ومع تفاقم الأزمة البيئية وانكشاف تواطؤ تيار الوسط السياسي الغربي بيمينه ويساره في مواجهة الأزمتين معًا، بدأت تتبلور بدائل هذه الجماعة بشكل غير منظم لتحاول كبح مسار التخريب الذي تقوده الطغمة المالية - الرقمية.
تقاطعت الجهود الحقوقية المختلفة لتنتج أول وثيقة حقوقية قانونية تتناول المسئولية الجزئية الملقاة على عاتق مشروع حقوق الإنسان في عقلنة أنماط تمويل واستثمار الشركات الكبرى، وهي وثيقة المبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان والتي أعدّها ممثل الأمين العام للأمم المتحدة المعني بمسألة حقوق الإنسان والشركات العابرة للوطنية وتبناها مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في قراره رقم ١٧/٤ بتاريخ ٦ يونيو ٢٠١١. استندت هذه المبادئ التوضيحية للمثلث المفاهيمي الذي تطور في فقه لجان المعاهدات الأممية لحقوق الإنسان عند تعريف مضمون الحقوق الأساسية والتزامات الدول بشأنها، وهو المثلث المتشكل من أضلاع أو واجبات الاحترام، والحماية، والإنصاف. بينما يشير ”الاحترام“ إلى ضرورة امتناع الدولة عن أي تدخل يخلّ بمضمون الحقوق الأساسية يشير واجب ”الحماية“ إلى ضرورة تدخل الدولة بآلياتها التشريعية والتنفيذية لوقف أي انتهاك لهذه الحقوق من قبل طرف ثالث، وهو الشركات الكبرى في حالتنا. وأخيرًا، يشير واجب ”الإنصاف“ إلى ضرورة إتاحة النظام التشريعي والقانوني في البلد المعني - وعلى الصعيد الأممي - لآليات قضائية تضمن التعويض وجبر الضرر لأي انتهاك تتورط فيه الدولة بشكل مباشر أو أي طرف ثالث. وتمخض عن إقرار هذا الإطار التوجيهي تأسيس ”الفريق الأممي المعني بمسألة حقوق الإنسان والشركات عبر الوطنية وغيرها من المؤسسات التجارية“ في ٢٠١٤، والذي أخذ على عاتقه أخيرًا تحقيق هدف طموح متمثل في تحويل تلك المبادئ التوجيهية إلى معاهدة دولية تتضمن التزامات قانونية محددة على عاتق الدول الموقعة لضمان التزام الأعمال التجارية المختلفة الجارية في إقليمها بمحددات القانون الدولي لحقوق الإنسان المتعارف عليها. وبالرغم من تقدم الصياغات المطروحة إلا أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مازالت مترددة بالطبع في بداية التفاوض الجدي حول المواد المقترحة.
عام حافل بالتفكير والبحث عن بدائل:
في هذا السياق، شهد العام الماضي نشاطًا ملحوظًا لعدد من الهيئات الأممية، وشبكات المجتمع المدني العالمي، التي سعت للتعاطي مع تحدي التغول المالي- التكنولوجي بالتوازي مع القفزات الكبرى التي حققتها تقنية الذكاء الاصطناعي سواء على صعيد البحث أو الاستخدام. ويضم هذا العدد من ”نوافذ“ ملخصات لأهم هذه الإسهامات الجديدة.
الملمح الواعد لهذه الإسهامات أنها قد تجاوزت الموضوعات التقليدية التي هيمنت على تعاطي الهيئات الأممية طويلًا مع تحديات التطور التقني - مثل محاولة الحيلولة دون الافتئات على الحق في الخصوصية أو حريات التعبير أو الأمان الشخصي - إلى التعاطي مع مخاطر احتكار البحوث في هذا المجال، وتنظيم إجراءات الشراء والتوريد، والانتباه لأثر هذه التقنية في دعم التحيزات العرقية والدينية والذكورية، كما قدمت أفكارًا وجيهة حول سبل الإنصاف والتعويض لضحايا الاستخدام المتعسف لهذه التقنية.
من ضمن الأمثلة التي يستعرضها العدد خلاصة المشاورات التي أجراها المفوض السامي لحقوق الإنسان تنفيذًا لقرار مجلس حقوق الإنسان رقم 53/29 بشأن ضمان توافق استخدامات الذكاء الاصطناعي مع معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهي الخلاصة التي تبناها مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في يونيو ٢٠٢٥. كذلك يستعرض العدد تقرير ”الفريق المعني بحقوق الإنسان والأعمال التجارية“ عن عمليات شراد وتوريد ونشر تقنية الذكاء الاصطناعي ومحاولة ضمان تطبيق الإطار التوجيهي للأعمال التجارية وحقوق الإنسان على هذه العمليات منذ بدايتها. يستعرض العدد كذلك تقريرًا مهمًا لشبكة ”إنكلو“ للحريات المدنية - وهي شبكة تضم عددًا من المنظمات الحقوقية الرائدة في الشمال والجنوب العالميين - تقدمت به للمقرر الخاص لحماية حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب حول استخدام تقنية التعرف على الوجه المولدة بالذكاء الاصطناعي، وطرحت فيه عدد من المبادئ التي تضمن المراجعة البشرية الدائمة لنتائج تطبيق هذه التقنية وكذا آليات انتصاف قضائية محكمة وسريعة لمواجهة أوجه الخطأ الشائعة عند استخدام هذه التقنية.
المثير كذلك أن هيئات أخرى تناولت أثر التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي على الممارسات الديمقراطية، وخصوصًا الانتخابات، ودورها في تغذية الصعود السلطوي في عدد كبير من السياقات، أو الأثر البيئي المدمر للاستثمار في البنية الأساسية اللازمة لنشر تقنيات الذكاء الاصطناعي. تقرير المقررة الخاصة بالحق في التجمع السلمي والتنظيم عن الدورة الانتخابية الكبرى التي جرت وقائعها في عدد كبير من أضخم دول العالم من حيث التعداد السكاني، كالولايات المتحدة والهند والمكسيك وإندونسيا، في الفترة بين ٢٠٢٣- ٢٠٢٥ تناول الدور الخطير للمواد الدعائية المولدة بالذكاء الاصطناعي في تغذية ونشر خطابات الكراهية أو الخطابات المستندة إلى وقائع ومعلومات مغلوطة أو مزيفة تمامًا بما يخل بجودة الجدل العام خلال هذه الفترة خصوصًا بين الفئات العمرية الأصغر سنًا. ويضم العدد كذلك تقريرًا هامًا للمقرر الأممي الخاص بمواجهة الفقر المدقع يتضمن استعراضًا مهمًا لمخاطر التوسع في إنشاء مراكز البيانات العملاقة لتخزين قواعد البيانات اللازمة لعمل تقنيات الذكاء الاصطناعي. يستعرض العدد كذلك مساهمة الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمؤتمر الأطراف المتعددة COP 30 والذي تعامل بدوره مع هذه الإشكالية.
الخط الناظم بين هذه الأطر المقترحة جميعًا يتمثل في ضرورة إدماج مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان في كافة العمليات المرتبطة بتطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي بدءًا من مرحلة البحث وبناء النماذج وتغذيتها بالمدخلات، لضمان خلوها من الانحيازات التمييزية، مرورًا بمرحلة الانتشار من خلال إنشاء جهات حوكمة ورقابة لضمان الرقابة البشرية الدائمة على استخدامات هذه التقنية والالتزام بقواعد الشفافية والرقابة الديمقراطية المتعارف عليها عند إبرام اتفاقيات التوريد والشراء، وانتهاءًا بتوفير رقابة قضائية مخصوصة لضمان التعويض والإنصاف في حالة خطأ هذه التكنولوجيا أو استخدامها بشكل متحيز أو تمييزي.
من شأن هذه المعايير أن تفيد المهتمين بتنظيم نشر استخدامات هذه التقنية في مصر. فقد انتبه تقرير صادر حديثًا عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري لوجود فجوات تشريعية وسياساتية واسعة في التشريعات والسياسات المصرية المتقاطعة مع هذا الموضوع ودعى للمبادرة إلى سدها سريعًا. ونبّه التقرير إلى أنه بالرغم من تأسيس مجلس وطني خاص بالذكاء الاصطناعي والإعلان عن استراتيجية وطنية لتطوير البحوث في هذا المجال إلا أن الإطار التشريعي ما زال متأخرًا عن هذه الخطوات. من شأن دراسة المواد المنشورة في هذا العدد أن تدعم جهود المشرعين والتنفيذيين ومنظمات المجتمع المدني المهتمة بالعمل على سد هذه الفجوات عبر إدماج مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان.
هذا ولم يكن التعاطي مع موضوع تنظيم مجال بحوث واستخدام الذكاء الاصطناعي هو الجانب الوحيد من جوانب معضلات هيمنة المركب المالي- التكنولوجي الذي تصدت له الجماعة الحقوقية. سنطالع في هذا العدد، مثلًا، مساهمة بالغة الأهمية للجنة المعنية بتفسير العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تتناول بالتفصيل ملامح اتفاقية دولية مقترحة لسنّ ضريبة عالمية على التدفقات المالية العابرة للحدود. تشكل هذه التدفقات اليوم رافدًا محوريًا من روافد تراكم الثروات والنفوذ، ولم يعد منطقيًا تركها خارج إطار السياسة الضريبية على الصعيد العالمي، خصوصًا في ظل الاحتياج البالغ لتمويل أنشطة مكافحة التغير المناخي والفقر المدقع وغيره من أشكال اللامساواة الاجتماعية. ولم تقتصر مساهمة اللجنة على الدعوة لهذه الضريبة العالمية، ولكنها ناقشت بجرأة المحددات التي سادت السياسات الضريبية خلال العقود الأربعة الماضية على وجه التقريب، وهي المحددات التي فضلّت الإعفاءات الضريبية الواسعة لرأس المال الكبير بدعوى تشجيع الاستثمار، وكذا التوجه للضرائب المباشرة على الاستهلاك أو القيمة المضافة، بوصفها أسهل في الحساب والتحصيل. فكانت المحصلة، في الواقع، هي سياسة ضريبية ”تنازلية“ تفرض عبئًا ضريبيًا أكبر على الأفقر أو الأكثر تهميشًا وتحابي أصحاب الثروات الضخمة المفترض بهم تحمل العبء الأكبر من التمويل الضريبي. ودعت اللجنة بوضوح إلى العودة لمبدأ الضرائب التصاعدية كحلّ مزدوج لمشكلات اللامساواة وتراجع الموارد العامة اللازمة للإنفاق الاجتماعي.
بالتوازي مع ذلك، لا يمكن مواجهة مدّ أيديولوجي يستهجن بقيم وممارسات التضامن الاجتماعي ويراها عقبة في طريق التقدم والنمو بدون حماية ودعم ممارسات التضامن القائمة بالفعل سواء كانت رسمية أو غير رسمية الطابع. في هذا السياق، شهد العام الماضي اهتمامًا محمودًا بمسألة ”الرعاية الاجتماعية“ كحق في حد ذاته يقوم على قدم المساواة مع الحق القديم في ”الضمان الاجتماعي“ الذي يتناول بالتنظيم سياسات التأمين الاجتماعي والمعاشات. الرعاية الاجتماعية مفهوم أشمل في الحقيقة، فبالإضافة لأنظمة الضمان الاجتماعي المعتادة يتناول ”الحق في الرعاية“ الممارسات غير الرسمية والتي لازالت تتكفل بالنصيب الأكبر من واجب الرعاية الاجتماعية الموجه لمن يستحقها من كبار سن أو أطفال أو ذوي إعاقة، وهي الممارسات التي يتحمل عبئها في الغالب نساء سواء في النطاق العائلي أو كعاملات منزليات أو في القطاع الصحي.
في هذا السياق، تناول تقرير فريق العمل المعني بالتمييز ضد النساء الصادر في يوليو ٢٠٢٥ الأبعاد الجندرية لممارسات الرعاية الاجتماعية وضرورة حماية وتعزيز حقوق مقدمات الرعاية من النساء، سواء كانوا عاملات داخل الاقتصاد الرسمي أو غير الرسمي، وسواء كان تقديمهم لتلك الخدمات بشكل احترافي أو بصورة طوعية كالتزام عائلي أو عاطفي. وطرح التقرير أفكارًا مبدعة عن كيفية دعم هؤلاء النساء في مهمتهم الشاقة والمحورية والتي يمكن اعتبارها، بلا مبالغة، أقدم التزام أخلاقي عرفه الإنسان في تاريخه الطويل. وكذلك يستعرض العدد حكمًا تاريخيًا لمحكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان تعلن فيه المحكمة ”الرعاية الاجتماعية“ بوصفها حقًا قانونيًا يستدعي التزامات الاحترام والحماية والدعم من قبل الدول الأميريكية. فصلّت المحكمة في مكونات هذا الحق، ومستحقيه، وكيفية توفير الموارد المالية اللازمة لوفاء الدول بالتزاماتها.
هذا العنوان العريض الذي حكم اختياراتنا لمساهمات الجماعة الحقوقية العالمية الأجدر بالاستعراض في عددنا الحالي، أي كيفية مواجهة سطوة المركب المالي - التكنولوجي عبر إحياء قيم وممارسات التضامن الاجتماعي - الإنساني، حكم كذلك اختياراتنا للدراسات التي نقدمها.
يدافع الباحث محمد سيد في مقاله، على سبيل المثال، عن ”مجانية التعليم“ بوصفها أحد مكونات الحق في التعليم الأساسية والتي بدونها يتجرد هذا الحق من مضمونه بل وتتعرض مجمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأخرى كالحق في الصحة والحق في العمل والحق في التنمية إلى انتهاكات خطيرة. يعود محمد سيد إلى ”البديهيات“ المستقرة في الدول الحديثة أيًا كانت لافتاتها الأيديولوجية والتي ترى في التعليم المجاني واجبًا على المجتمع، وأحد الحقوق التي يكتسبها الأفراد بحكم عضويتهم في أي جماعة حديثة، وليس ”امتيازًا“ يحوذه الفرد بحكم جدارته كما تؤمن السياسات النيوليبرالية. ولتوفير التمويل اللازم لهذا الالتزام يقتضي الأمر إعادة هيكلة للسياسات المالية برمتها على قاعدة أولوية التضامن الاجتماعي على الربحية. أما الباحث محمد جمال علي فيتناول جانبًا اخر لمعضلة هيمنة المركب المالي- التكنولوجي والمتمثلة في صعود خطابات الكراهية العرقية والدينية عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالأساس، وتحول تلك الوسائل من فضاءات للتعبير عن واقع التعدد والتنوع الثري للبشر إلي ماكينات عمياء لإنتاج التوجس والصور النمطية والعنف الرمزي. يتناول محمد جمال ما يراه نقصًا مؤسسًا في التقنيات القانونية الوضعية في مواجهة معضلة كيفية تنظيم حرية التعبير بما لا يفتئت على جوهر هذا الحق المحوري، ويتتبع أثر هذا القصور المؤسس في المحاولات المعاصرة لتنظيم حريات التعبير عند مواجهة خطابات الكراهية في الفضاء الرقمي.
من جهة أخرى، نستكمل مناقشتنا لمفهوم وآليات ”الاستبداد القانوني“، أي الاستبداد الذي ينشأ ويتدعم من داخل نفس الإطار القانوني الليبرالي دون الحاجة إلى تعليق عمل المحاكم أو المؤسسات التشريعية بإعلان حالة الطوارئ، وهي المناقشة التي بدأتها هبة خليل في العدد الماضي. فيتناول عمرو عبد الرحمن، من خلال عرضه لعدد من دراسات أستاذ القانون الدولي توم جينسبرج، أحد تجليات هذا الاستبداد القانوني على الساحة الدولية والمتمثل في انخراط السلطويات الجديدة النشط في مؤسسات المنظومة القانونية الدولية لتفريغها من طابعها الليبرالي الديمقراطي باستخدام نفس آلياتها، وهي عملية تشبه إلى حد بعيد ما تقوم به هذه السلطويات على الأصعدة الوطنية.
قد ينتهي القارئ بعد قراءة هذه المتابعات والدراسات محبطًا من الطابع الفني، أو المحافظ حتى، لهذه المساهمات المذكورة والتي ستبدو له قليلة الحيلة أو محدودة الفاعلية أمام تغول المركب المالي- التكنولوجي. ولكننا نختتم هنا بالتذكير أن الجماعة الحقوقية العالمية لا يمكن، مهما كانت نواياها، أن تتجاوز الحدود المفروضة على خيالها وحركتها بحكم طبيعة خطابها وموقعها الاجتماعي. نحن، مرة أخرى، بإزاء شبكة ضخمة من الخبراء في التحليل الأخير، تضع قدمًا في العالم الرسمي بنخبه السياسية وإداراته البيروقراطية وقدمًا أخرى في عالم الحركات الاجتماعية المتنوع والغني والمتحول، ويحفظ توازنها بين هذين الموقعين انحياز عام ومجرد لمبدأ أساسي وهو أن التقدم التكنولوجي يجب أن يدعم من المساواة والتنوع والكرامة لا أن يتحول إلى معول هدم لهذه القيم. وأداتها في ترجمة هذا الإيمان هي الخطاب القانوني الحديث بكل أوجه قصوره وتناقضه. ليس متوقعًا، ولا مطلوبًا في الواقع، أن تتجاوز الجماعة الحقوقية هذه المحددات بشكل إرادوي. كل المطلوب هو أن تتشبث بانحيازها هذا وأن تجتهد في ترجمته قانونيًا وسياساتيًا بأقصى قدر ممكن من الجدية والانفتاح على عالم المقاومة الغني. أما تكتيكات المعركة ومصيرها فيتحدد في مكان آخر، بعيدًا عن نخب الحكم وبيروقراطيته ولغة الفنيين الباردة.