الدعوى 162 لسنة 19 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 162 لسنة 19 بتاريخ 07/03/1998

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 7 مارس سنة 1998 الموافق 8 ذو القعدة سنة 1418 ه.

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: محمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وحمدى محمد على وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض

وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ حمدى أنور صابر أمين السر

أصدرت الحكم الآتى

 

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 162 لسنة 19 قضائية دستورية .

المقامة من

السيد/ .........................

ضد

1- السيد / رئيس الجمهورية

2- السيد المستشار وزير العدل

3- السيد المستشار رئيس هيئة قضايا الدولة

الإجراءات

بتاريخ 10 أغسطس سنة 1997، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالباً الحكم بعدم دستورية المادة (25) من قانون تنظيم هيئة قضايا الدولة الصادر بالقانون رقم 75 لسنة 1963.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .

حيث إن الوقائع- على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعى كان شاغلاً لوظيفة مندوب بهيئة قضايا الدولة . ثم أحيل إلى لجنة التأديب والتظلمات بها بقرار من وزير العدل بناء على طلب رئيس الهيئة ، وقيدت الدعوى التأديبية برقم 2 لسنة 1996 حيث قضى فيها بعزله عن وظيفته. وقد طعن المدعى فى قرار اللجنة أمام محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة تحت رقم 5674 لسنة 51 قضائية طالباً الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذه، وفى الموضوع بإلغائه، ودفع أثناء نظرها بعدم دستورية نص المادة (25) من قانون هيئة قضايا الدولة الصادر بالقانون رقم 75 لسنة 1963. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع، وخولته إقامة الدعوى الدستورية ، فقد رفعها إلى هذه المحكمة .

وحيث إن المدعى ينعى على هذه المادة مخالفتها لأحكام المواد (40، 64، 65، 68، 69، 165) من الدستور، تأسيساً على أن لجنة التأديب والتظلمات التى يرأسها رئيس الهيئة تعتبر لجنة إدارية لا يجوز الطعن فى القرار الصادر عنها بأى وجه، وتنتفى فى شأنها كذلك ضمانة التجرد والحيدة التى يتحقق بها الفصل فى الدعوى التأديبية التى تقيمها ضده جهة عمله بطريقة من صفة . فليس مقبولاً أن يكون العمل القضائى مدموغاً بشبهة تداخل تجرده، وتثير ظلالاً قاتمة حول حيدته، فلا يطمئن إليه المتقاضون. ولا يجوز بالتالى لرئيس الهيئة أن يكون رئيساً لهذه اللجنة بعد أن طلب إحالة المدعى إلى المحاكمة التأديبية لمجازاته، كاشفاً بذلك عن رأيه فيما هو منسوب إليه، جامعاً بذلك بين سلطتى الاتهام والمحاكمة فلا تستقيم للعدالة ولا لحق التقاضى ضماناتهما.

هذا فضلاً عن أن أعضاء مجلس التأديب تابعون بحكم وظائفهم لرئيس لهيئة ؛ وهو يهيمن على شئونهم الوظيفية ؛ ومن شأن النهائية التى أسبغها النص المطعون فيه على قرارات لجنة التأديب، حرمان من يريد التظلم منها من اللجوء إلى قاضيه الطبيعى ، مما يمثل إخلالاً بمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون؛ وانتقاصاً من ضمانة الحق فى التقاضى ؛ وإهدارا لمبدأ الخضوع للقانون.

وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها ارتباطها عقلاً بالمصلحة التى يقوم بها النزاع الموضوعى ، وذلك بأن يكون الفصل فى المسائل الدستورية التى تدعى هذه المحكمة لحسمها، لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها؛ وكان نص المادة (25) من قانون هيئة قضايا الدولة - المطعون عليها- تقيم من لجنة التأديب والتظلمات جهة قضائية تفصل- دون غيرها- وبصفة نهائية ، فى تأديب أعضاء الهيئة ؛ وفى منازعاتهم فى شأن مكافآتهم ومرتباتهم؛ وكذلك فيما يصدر من القرارات الإدارية فى غير ذلك من شئونهم سواء فى مجال إلغائها أو التعويض عنها مما يدخل أصلاً فى اختصاص القضاء؛ وكان عزل المدعى من وظيفته صادراً فى خصومة تأديبية ؛ وكانت المطاعن الدستورية التى أثارها المدعى تتعلق جميعها بما إذا كان يجوز للجنة التأديب المنصوص عليها فى المادة (25) المطعون عليها، أن تفصل فى خصومة تأديبية من طبيعة قضائية بقرار نهائى لارجوع فيه؛ وكانت النصوص القانونية التى أحاط بها المشرع الدعوى التأديبية ، وعلى الأخص من حيث رفعها، وضماناتها، والقائمين من أعضاء الهيئة بإجراء التحقيق الإدارى السابق عليها، لا تقتصر على نص المادة (25) المطعون عليها، وإنما تكملها المادة التى تلتها؛ فإن المادتين (25، 26) من قانون الهيئة ، تكونان متضاممتين، فلا تنفصلان، وبهما معاً يتحدد إطار المصلحة الشخصية المباشرة للمدعى ، وكذلك نطاق الخصومة الدستورية .

وحيث إن المادتين (25، 26) من قانون هيئة قضايا الدولة ، تنصان على ما يأتى :

مادة (25):

تشكل لجنة التأديب والتظلمات من رئيس هيئة قضايا الدولة أو من يحل محله رئيساً، ومن عشرة أعضاء بحسب ترتيبهم فى الأقدمية من بين نواب الرئيس والوكلاء والمستشارين.

وتختص هذه اللجنة بتأديب أعضاء الهيئة ، وبالفصل فى طلبات إلغاء القرارات الإدارية المتعلقة بشئونهم، وفى طلبات التعويض المترتبة عليها مما يدخل أصلاً فى اختصاص القضاء.

وتفصل اللجنة فيما ذكر بعد سماع أقوال العضو والاطلاع على ما يبديه من ملاحظات. وتصدر قراراتها بالأغلبية المطلقة إلا فى حالة التأديب، فتصدر قراراتها بأغلبية ثلثى أعضائها. ويكون قرار اللجنة فى جميع ما تقدم نهائياً، ولا يقبل الطعن فيه بأى وجه من الوجوه أمام أية جهة .

كما تختص اللجنة دون غيرها بالفصل فى المنازعات الخاصة بالمرتبات والمكافآت المستحقة لأعضاء الهيئة .

مادة (26): تنظم اللائحة الداخلية الأحكام الخاصة بتأديب أعضاء هيئة القضايا. والعقوبات التى يجوز توقيعها هى : الإنذار- اللوم- العزل .

وتقام الدعوى التأديبية من وزير العدل بناء على طلب من رئيس الهيئة .

ولا يقدم هذا الطلب إلا بناء على تحقيق جنائى ؛ أو بناء على تحقيق إدارى يتولاه أحد وكلاء الهيئة بانتداب من وزير العدل بالنسبة إلى المستشار؛ أو مستشار من إدارة التفتيش الفنى بالنسبة لغيرهم من الأعضاء.

وحيث إن ضمانة الحيدة - فى نطاق النزاع الماثل- إنما تتصل أساساً بما إذا كان يجوز لرئيس الهيئة أو لأحد أعضائها، أن يفصل فى منازعة تأديبية من طبيعة قضائية سبق أن اتخذ موقفاً منها أو أبدى رأياً فيها.

وحيث إنه على ضوء ذلك، يرتبط الفصل فى دستورية تشكيل لجنة التأديب والتظلمات، بما إذا كان الإخلال بضمانة حيدة رئيسها وأعضائها، يعتبر إهداراً لأحد الحقوق التى كفلها الدستور، فلا يتم الفصل إنصافاً فى الخصومة القضائية مع غيابها، أم أن هذه الضمانة لا ترقى بوزنها إلى مرتبة الحقوق التى تستمد من الدستور أصلها، فلا ينافيها إلغاؤها أو تقييدها بقانون تقره السلطة التشريعية فى حدود سلطتها التقديرية .

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن استقلال السلطة القضائية ، وإن كان لازماً لضمان موضوعية الخضوع للقانون، ولحصول من يلوذون بها على الترضية القضائية التى يطلبونها عند وقوع عدوان على حقوقهم وحرياتهم، إلا أن حيدتها عنصر فاعل فى صون رسالتها لا تقل شأناً عن استقلالها بما يؤكد تكاملهما؛ ذلك أن استقلال السلطة القضائية ، يعنى أن تعمل بعيداً عن أشكال التأثير الخارجى التى توهن عزائم رجالها، فيميلون معها عن الحق، إغواءً أو إرغاماً، ترغيباً وترهيباً؛ فإذا كان انصرافهم عن إنفاذ الحق تحاملاً من جانبهم على أحد الخصوم، وانحيازاً لغيره- لمصالح ذاتية أو لغيرها من العوامل الداخلية التى تثير غرائز ممالأة فريق دون آخر- كان ذلك منهم تغليباً لأهواء النفس؛ منافياً لضمانة التجرد عند الفصل فى الخصومة القضائية ؛ ولحقيقة أن العمل القضائى لا يجوز أن يثير ظلالاً قاتمة حول حيدته، فلا يطمئن إليه متقاضون داخلتهم الريب فيه بعد أن صار نائياً عن القيم الرفيعة للوظيفة القضائية . يؤيد ذلك: -

أولاً: إن إعلان المبادئ الأساسية فى شأن استقلال القضاء التى تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقراريها الصادرين فى 29/1/1985 و13/12/1985 يؤكد بوضوح أن المنازعات التى تدخل فى اختصاص السلطة القضائية ، ينبغى الفصل فيها بطريقة محايدة ؛ وعلى ضوء وقائعها ووفقاً لحكم القانون بشأنها؛ مع تجرد قضاتها من عوامل التأثر والتحريض، وكذلك من كل صور الضغوط أو التهديد أو التدخل غير المشروع- مباشراً كان أم غير مباشر- وأياً كان مصدرها أو سببها.

ثانياً: إن استقلال السلطة القضائية وحيدتها ضمانتان تنصبان معاً على إدارة العدالة بما يكفل فعاليتها. وهما بذلك متلازمتان. وإذا جاز القول- وهو صحيح- بأن الخصومة القضائية لا يستقيم الفصل فيها حقاً وعدلاً إذا خالطتها عوامل تؤثر فى موضوعية القرار الصادر بشأنها- ما كان منها خارجياً أو معتملاً فى دخائل النفس البشرية - وأياً كانت دوافعها أو أشكالها؛ فقد صار أمراً مقضياً أن تتعادل ضمانتا استقلال السلطة القضائية وحيدتها فى مجال اتصالهما بالفصل فى الحقوق انتصافاً ترجيحاً لحقيقتها القانونية ، لتكون لهما معاً القيمة الدستورية ذاتها، فلا تعلو إحداهما على أخراهما أو تجبها، بل تتضاممان تكاملاً، وتتكافآن قدرا.

ثالثاً: إن ضمانة الفصل إنصافاً فى المنازعات على اختلافها وفق نص المادة (76) من الدستور، تمتد بالضرورة إلى كل خصومة قضائية ، ولو كانت الحقوق المثارة فيها من طبيعة مدنية ، وكذلك إلى كل خصومة تأديبية يكون موضوعها ذنباً إدارياً؛ وقوامها أن يكون تحقيقها وحسمها عائداً إلى جهة قضاء أو إلى هيئة منحها القانون اختصاص الفصل فيها بعد أن كفل استقلالها وحيدتها، وأحاط الحكم الصادر فيها بضمانات التقاضى التى يندرج تحتها حق كل خصم فى عرض دعواه، وطرح أدلتها، والرد على ما يعارضها على ضوء فرص يتكافأ أطرافها فيها جميعاً، ليكون تشكيلها وقواعد تنظيمها وطبيعة النظم المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها عملاً، محدداً للعدالة مفهوماً تقدمياً يلتئم مع المقاييس المعاصرة للدول المتحضرة .

وحيث إن حق التقاضى المنصوص عليه فى المادة (68) من الدستور، مؤداه أن لكل خصومة - فى نهاية مطافها- حلاً منصفاً يمثل الترضية القضائية التى يقتضيها رد العدوان على الحقوق المدعى بها. وتفترض هذه الترضية أن يكون مضمونها موافقاً لأحكام الدستور. وهى لا تكون كذلك إذا كان تقريرها عائداً إلى جهة أو هيئة تفتقر إلى استقلالها أو حيدتها أو هما معاً، ذلك أن هاتين الضمانتين- وقد فرضهما الدستور على ما تقدم- تعتبران قيداً على السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق. ومن ثم يلحق البطلان كل تنظيم تشريعى للخصومة القضائية على خلافهما.

وحيث إن إخلال أحد أعضاء هيئة قضايا الدولة بالثقة والاعتبار اللتين ينبغى توافرهما فيه، أو بواجبات وظيفته أو مقتضياتها، يعتبر ذنبا إدارياً مؤاخذاً عليه قانوناً. وإسناده إليه ينبغى أن يكون مسبوقاً بتحقيق متكامل لا يقتصر على بعض عناصر الاتهام، بل يحيط بها جميعاً، ويمحص أدلتها مع ضمان الفرص الكافية التى يقتضيها سماع أقوال العضو المحال إلى التحقيق، فلا يكون التحقيق مبتسراً، أو مجرداً من ضمان موضوعيته، بل وافياً أميناً. وكلما استكمل التحقيق عناصره؛ وكان واشياً بأن للتهمة معينها من الأوراق؛ كان عرضه لازماً على الجهة التى أولاًها المشرع مسئولية الفصل فيه ، بشرطين أولهما: أن تكون قضائية فى تشكيلها وضماناتها. ثانيهما: ألا يكون من بين أعضائها من اتصل بإجراء سابق على توليها لمهامها سواء كان تحقيقاً أو اتهاما، ذلك أن عضو الهيئة القضائية يتولى وظيفة لها خطرها أوثق اتصالاً برسالتها. وادعاء الإخلال بها يكون سقيماً إذا كان بغير دليل، نائياً عما يعتبر غيا، فلا يتسم بالاندفاع أو التحامل أو التعمل.

وحيث إن الدعوى التأديبية - وعلى ما تنص عليه المادة (26) من قانون الهيئة - لا تقام من وزير العدل إلا بناء على طلب من رئيسها؛ وكان الأصل ألا يقدم هذا الطلب منه قبل أن يستكمل التحقيق مجراه؛ وأن يكون قد أجال بصره فيه بعد عرضه عليه، مرجحاً- على ضوء اعتقاده- ما إذا كان بنيانه متماسكاً أو متهادماً؛ منتهياً من ذلك إلى المضى فى الخصومة التأديبية أو التخلى عنها؛ وكان ذلك لا يعدو أن يكون رأياً مؤثراً فى موضوعية ضوابطها، وحائلاً دون تأسيسها على ضمانة الحيدة التى لا يجوز اسقاطها عن أحد من المتقاضين لتسعهم جميعاً على تباينهم؛ فإن النص المطعون فيه يكون- فى هذه الحدود- مخالفاً للدستور.

وحيث إن رئيس الهيئة - وعلى ما تنص عليه المادة (26) من قانونها- لا يقدم إلى وزير العدل طلبه برفع الدعوى إلا بناء على تحقيق جنائياً كان، أم إدارياً. فإذا كان إدارياً تولاه أحد وكلاء الهيئة إذا كان المحال إلى التحقيق مستشارا بها. فإن كان دون ذلك أجراه مستشار فى إدارة التفتيش الفنى ؛ وكانت المادة (25) من قانون الهيئة تشكل لجنة التأديب والتظلمات بها من رئيسها وعشرة من أعضائها من بين نوابه ووكلائها ومستشاريها وفق أقدميتهم؛ وكان لا يجوز لجهة التحقيق ولا لسلطة الاتهام، أن تتصل بالجهة القضائية التى عهد إليها المشرع بمهمة الفصل فى الخصومة التأديبية ، فلا يباشر عملاً فيها من كان قائماً بالتحقيق الذى أفضى إليها، ضماناً لحيدتها وتوافر الأسس الموضوعية لقراراتها؛ فإن تشكيل تلك اللجنة يكون كذلك- وفى هذه الحدود- مخالفاً للدستور.

وحيث إن ضمان الدستور لحق الدفاع، قد تقرر باعتباره أحد الأركان الجوهرية لسيادة القانون، كافلا للخصومة القضائية عدالتها، وبما يصون قيمها، ويندرج تحتها ألا يكون الفصل فيها بعيداً عن أدلتها، أو نابذاً الحق فى إجهاضها من خلال مقابلتها بما يهدمها من الأوراق وأقوال الشهود؛ فلا يكون بنيان الخصومة متحيفاً حقوق أحد من الخصوم؛ بل مكافئاً بين فرصهم فى مجال إثباتها أو نفيها؛ استظهاراً لحقائقها، واتصالاً بكل عناصرها. متى كان ذلك؛ وكان نص الفقرة الثالثة من المادة (26) من قانون الهيئة ، قد خلا مما يحتم سماع أقوال العضو المحال إلى التحقيق، فإن مضمونه يكون دائراً فى الفراغ، ولا يجوز أن ينبنى عليه اتهام.

وحيث إن ما ينعاه المدعى من أن لجنة التأديب والتظلمات التى شكلها النص المطعون فيه لا تفصل فى الخصومة التأديبية بصفة قضائية ؛ وأن أعضاءها تابعون لرئيسها بحكم وظائفهم مما يؤثر فى موضوعية قراراتها، مردود أولاً: بأن للخصومة التأديبية - فى مجال العمل القضائى - خصائصها ودقائقها التى ينافيها أن يطرح أمرها على غير أهلها؛ لتظل خفاياها وراء جدران مغلقة لا تمتد إليها أبصار تريد هتكها؛ ولا آذان تتلصص عليها.

ومردود ثانياً: بأن أعضاء هذه اللجنة يحتلون من الهيئة التى ينتمون إليها أعلى مواقعها، بل أن رئيسها يتصدرها. وجميعهم مدركون أكثر من غيرهم نطاق وظائفها، والحدود التى ينبغى فيها على أعضائها مباشرة واجباتهم ؛ فلايكون إسناد الفصل فى الخصومة التأديبية إليهم تنصلا من ضماناتها ؛ بل توكيداً لأولويتهم فى مجال البصر بشئونها.

ومردود ثالثاً: بأن ما نص عليه قانون الهيئة من أن أعضاءها تابعون لرؤساءهم، ثم لوزير العدل، لا يفيد خضوعهم لسلطة يباشرها هؤلاء عليهم بما ينال من استقلالهم فى أداء وظائفهم.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى كذلك على أن قصر التقاضى فى المسائل التى فصل فيها الحكم على درجة واحدة ، لا يناقض الدستور؛ وإنما يدخل فى إطار السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق؛ وكان ما قرره النص المطعون فيه من امتناع الطعن فى القرار الصادر فى الخصومة التأديبية بأى وجه، يبلور اتجاهاً عاماً نحاه المشرع فيما أو رده من نصوص نظم بها عديداً من الهيئات القضائية ، واقفاً بالتقاضى فى مجال الخصومة التأديبية عند درجة واحدة ، تقديراً منه لكفايتها فى الفصل فى الحقوق موضوعها؛ وكان هذا التقدير من المشرع مبناه أسس موضوعية يظاهرها أن هذه الخصومة لا يفصل فيها إلا من يحيطون بدقائقها، وبقرار يصدر بأغلبية ثلثى أعضائها، فلا يكون بعيداً فى الأعم من الأحوال عما يعتبر قضائياً حلاً منصفاً لها؛ فإن ما ينعاه المدعى من ذلك، يكون مفتقراً إلى سنده.

وحيث إنه لما تقدم، يكون النص المطعون فيه- مرتبطاً بنص المادة (26) من قانون هيئة قضايا الدولة - مخالفاً لأحكام المواد (40، 65، 67، 68، 69) من الدستور.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة :

أولاً: بعدم دستورية نص المادة (25) من قانون تنظيم هيئة قضايا الدولة الصادر بالقانون رقم 75 لسنة 1963، وذلك فيما تضمنته من:

(أ) أن يرأس لجنة التأديب والتظلمات رئيس الهيئة الذى طلب من وزير العدل أن يقيم الدعوى التأديبية .

(ب) أن تفصل اللجنة المشار إليها فى الخصومة التأديبية ولو كان من بين أعضائها من شارك فى التحقيق أو الاتهام.

ثانياً: بعدم دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (26) من القانون المشار إليه، وذلك فيما لم يتضمنه من وجوب سماع أقوال العضو فى مرحلة التحقيق.

ثالثاً: برفض ماعدا ذلك من الطلبات وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .