الدعوى 39 لسنة 39 - دستورية - 11-03-2019

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدةجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الثانى من مارس سنة ٢٠١٩م،

الموافق الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة ١٤٤٠ هـ.

برئاسة السيد المستشار الدكتور / حنفى على جبالى        رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: محمد خيرى طه النجار، والدكتور عادل عمر شريف،

وبولس فهمى إسكندر، ومحمود محمد غنيم، والدكتور محمد عماد النجار،

والدكتور طارق عبد الجواد شبل        نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشرى        رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد / محمد ناجى عبد السميع        أمين السر

أصدرت الحكم الآتى:

 

فى الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ٣٩ لسنة ٣٩

قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت محكمة القضاء الإدارى بحكمها الصادر بجلسة

١٤/١٢/٢٠١٦ ملف الدعوى رقم ٣٤٩٢٤ لسنة ٦٤ قضائية.

 

المقامة من

١-

٢-

٣-

٤-

ضد

١- رئيس مجلس الوزراء

٢- محافظ القاهرة

٣- نائب محافظ القاهرة للمنطقة الشرقية

٤- المستشار القانونى للمنطقة الشرقية

٥- رئيس حى مصر الجديدة

٦- مدير عام منطقة الإسكان بحى مصر الجديدة

٧- رئيس مجلس إدارة الجهاز القومى للتنسيق الحضارى

٨- رئيس اللجنة العلمية العليا المنوط بها وضع الأسس والمعايير الفنية والعملية

والتنسيق الحضارى للمبانى التراثية ذات القيمة المتميزة

٩- رئيس اللجنة النوعية المنوط بها وضع الأسس والمعايير الفنية والعلمية والتنسيق الحضارى للمبانى التراثية ذات القيمة المتميزة

 

الإجراءات

 

بتاريخ السابع والعشرين من مارس سنة ٢٠١٧، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الدعوى رقم ٣٤٩٢٤ لسنة ٦٤ قضائية، بعد أن قضت محكمة القضاء الإدارى بحكمها الصادر بجلسة ١٤/١٢/٢٠١٦، بوقف الدعوى وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستورية نص الفقرة الأولى من المادة الثانية من القانون رقم ١٤٤ لسنة ٢٠٠٦ فى شأن تنظيم هدم المباني والمنشآت الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث المعمارى.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم أصليًا: بعدم قبول

الدعوى، واحتياطيًا: برفضها.

 

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

المحكمة

 

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

 

حيث إن الوقائع تتحصل - على ما يتبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق - فى أن المدعين فى الدعوى الموضوعية، أقاموا الدعوى رقم ٣٤٩٢٤ لسنة ٦٤ قضائية أمام محكمة القضاء الإدارى ضد رئيس مجلس الوزراء وآخرين، بطلب الحكم بوقف تنفيذ ثم إلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٢٩٦٤ لسنة

٢٠٠٩ فيما تضمنه من إدراج العقار المملوك لهم، محل التداعى، ضمن العقارات ذات الطراز المعمارى المتميز، وما يترتب على ذلك من آثار، على سند من أنهم يمتلكون على الشيوع الفيلا رقم (٢) شارع العروبة بمصر الجديدة، وصدر قرار رئيس مجلس الوزراء المشار إليه بإدراجها بسجلات التراث المعمارى لمحافظة القاهرة، فتظلموا من هذا القرار إلى لجنة التظلمات بالجهاز القومى للتنسيق الحضارى، وإلى لجنة التوفيق، ثم أقاموا دعواهم الموضوعية وصولًا للقضاء لهم بطلباتهم المتقدمة. وبجلسة ٢٣/١٠/٢٠١٤، أصدرت المحكمة حكمًا تمهيديًا بتكليف عميد كلية الهندسة بجامعة عين شمس بتشكيل لجنة ثلاثية من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة لبيان مدى اعتبار العقار محل التداعى من المنشآت أو المبانى ذات الطراز المعمارى المتميز وفقًا لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٢٩٦٤ لسنة ٢٠٠٩، والمعايير والمواصفات الواردة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٢٢٧٦ لسنة ٢٠٠٦، وقد انتهت اللجنة إلى أن العقار يمثل قيمة عمرانية طبقًا للمعايير والمواصفات الواردة بقرار رئيس مجلس الوزراء الأخير، ومن ثم يدخل ضمن سجلات المبانى ذات الطراز المعمارى والعمرانى المتميز استنادًا لنص المادة الثانية من القانون رقم ١٤٤ لسنة ٢٠٠٦ فى شأن تنظيم هدم المبانى والمنشآت غير الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث المعمارى، وبجلسة ١٤/١٢/٢٠١٦، قررت المحكمة وقف الدعوى وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستورية نص الفقرة الأولى من المادة الثانية من القانون رقم ١٤٤ لسنة ٢٠٠٦ المشار إليه.

وحيث إن المدعين فى الدعوى الموضوعية قدموا بجلسة ٩/٧/٢٠١٧، أثناء تحضير الدعوى الدستورية أمام هيئة المفوضين، مذكرة طلبوا فيها الحكم بعدم دستورية المادة (٣٥) من قانون البناء الصادر بالقانون رقم ١١٩ لسنة ٢٠٠٨ فيما نصت عليه من أن "ويتم التعويض عن نزع الملكية طبقًا لأحكام القانون رقم ١٤٤ لسنة ٢٠٠٦ فى شأن تنظيم هدم المبانى والمنشآت غير الآيلة للسقوط...."، وكان من المقرر فى قضاء هذه المحكمة، أنه لا يجوز إبداء طلبات جديدة أو إضافية أمام هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا، الأمر الذى يتعين معه الالتفات عن هذا الطلب.

وحيث إنه بجلسة ٢/٢/٢٠١٩، طلب كل من: محمد عبدالمنعم على حسب الله، ورفعت حسن حسن على، وورثة محمود همام حمادى، وهم: يس همام محمود همام حمادى ومحمود عبدالهادى أحمد محمود همام ورعاية الله أحمد محمود همام حمادى ومحمود محمد نبيل همام حمادى ومصطفى أحمد محمود همام، التدخل انضماميًا فى الدعوى. لما كان ذلك، وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على إنه يشترط لقبول طلب التدخل أن يكون مقدمًا ممن كان طرفًا فى الخصومة

 

الموضوعية، وهو ما لم يتوافر فى النزاع المعروض، الأمر الذى يتعين معه القضاء بعدم قبول طلبات التدخل.

وحيث إن المادة الثانية من القانون رقم ١٤٤ لسنة ٢٠٠٦ المشار إليه تنص على أن "يحظر الترخيص بالهدم أو الإضافة للمبانى والمنشآت ذات الطراز المعمارى المتميز المرتبطة بالتاريخ القومى أو بشخصية تاريخية أو التى تمثل حقبة تاريخية أو التى تعتبر مزارًا سياحيًا، وذلك مع عدم الإخلال بما يستحق قانونًا من تعويض.

ولا يجوز هدم ما عدا ذلك أو الشروع فى هدمه إلا بترخيص يصدر وفقًا لأحكام هذا القانون.

ويصدر رئيس مجلس الوزراء، قرارًا بمعايير ومواصفات المبانى والمنشآت المشار إليها فى الفقرة الأولى وذلك بناء على اقتراح الوزير المختص بشئون الثقافة بالاتفاق مع الوزراء المختصين وبعد موافقة مجلس الوزراء.

ويصدر بتحديد هذه المبانى والمنشآت قرار من رئيس مجلس الوزراء.

ويتولى تقدير التعويض المشار إليه فى الفقرة الأولى وعند نزع ملكية المبنى أو المنشأة لجنة تشكل بقرار من الوزير المختص بشئون الإسكان. وفى الحالتين يجوز أن يكون التعويض عينيًا بناء على طلب المالك.

ولذوى الشأن التظلم من قرار اللجنة، وذلك خلال ستين يومًا من تاريخ إبلاغهم بكتاب موصى عليه بعلم الوصول إلى لجنة تشكل بقرار من رئيس مجلس الوزراء تضم ممثلين للوزارات والجهات المعنية".

وحيث إنه عن الدفع بعدم قبول الدعوى المبدى من هيئة قضايا الدولة لانتفاء المصلحة، فهو مردود: ذلك أن المصلحة فى الدعوى الدستورية، وهى شرط لقبولها، مناطها - وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يؤثر الحكم فى المسألة الدستورية على الطلبات المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع، ويستوى فى شأن توافر المصلحة أن تكون الدعوى قد اتصلت بالمحكمة عن طريق الدفع أو عن طريق الإحالة، والمحكمة الدستورية العليا هى وحدها التى تتحرى توافر شرط المصلحة فى الدعوى الدستورية للتثبت من شروط قبولها، ومؤدى ذلك أن الإحالة من محكمة الموضوع إلى المحكمة الدستورية العليا لا تفيد بذاتها توافر المصلحة، بل لازمه أن هذه الدعوى لا تكون مقبولة إلا بقدر انعكاس النص التشريعى المحال على النزاع الموضوعى، فيكون الحكم فى المطاعن الدستورية لازمًا للفصل فى ذلك النزاع، وأنه لا تلازم بين الإحالة من محكمة الموضوع وتوافر هذه المصلحة، فإذا لم يكن للفصل فى دستورية النص الذى ثارت بشأنه شبهة عدم الدستورية لدى محكمة الموضوع انعكاس على النزاع الموضوعى، فإن الدعوى الدستورية تكون غير مقبولة، كما جرى قضاء هذه المحكمة على أن المصلحة فى الدعوى الدستورية قوامها أن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازمًا للفصل فى مسألة كلية أو فرعية تدور حولها الخصومة بأكملها أو فى شق منها فى الدعوى الموضوعية. متى كان ذلك، وكانت الطلبات المطروحة على محكمة الموضوع قد انصبت على وقف تنفيذ ثم إلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٢٩٦٤ لسنة ٢٠٠٩ فيما تضمنه من إدراج العقار محل التداعى بقوائم وسجلات التراث المعمارى المتميز لمحافظة القاهرة، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وكان العقار المملوك للمدعين في الدعوى الموضوعية قد صدر قرار رئيس مجلس الوزراء المشار إليه بقيده بسجلات التراث المعمارى لمحافظة القاهرة، لكون العقار يمثل قيمة عمرانية طبقًا للمعايير والمواصفات الواردة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٢٢٧٦ لسنة ٢٠٠٦ وأنه يدخل ضمن المبانى ذات الطراز المعمارى المتميز طبقًا لنص المادة الثانية من القانون رقم ١٤٤ لسنة ٢٠٠٦ المشار إليه، وهو ما أكدته اللجنة الفنية التى تم تشكيلها بمقتضى الحكم التمهيدى الصادر بجلسة ١٣/١٠/٢٠١٤، من محكمة القضاء الإدارى فى الدعوى المحالة السالف ذكرها، وكانت الفقرة الأولى من نص المادة الثانية من القانون المشار إليه - المحالة - قد حددت الآثار القانونية التي تترتب على اعتبار المبنى أو المنشأة ذات طراز وطابع معمارى خاص ومتميز، فحظرت الترخيص بهدمها أو الإضافة إليها، دون إخلال بما يستحق قانونًا من تعويض، ومن ثم فإن القضاء فى دستورية هذا النص سيكون ذا أثر وانعكاس أكيد على مشروعية هذا القرار، ونطاق الآثار التى يرتبها فى حق ملاك العقارات الداخلة فى مجال تطبيق هذا النص، فى شأن حظر الهدم والإضافة لهذه العقارات، وتقدير التعويض المستحق لملاكها، المترتبة على إدراج العقارات ملكهم ضمن المبانى والمنشآت ذات الطابع المعمارى المتميز بمقتضى هذا القرار، والتي تطرحها الدعوى الموضوعية، ويتضرر المدعون فى تلك الدعوى منها، ومن أجل ذلك حددوا طلباتهم الموضوعية فيها، بوقف تنفيذ وإلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء المشار إليه، وما يترتب على ذلك من آثار، والتى قدرت محكمة الموضوع في ضوئها أن الفصل فى دستورية النص المحال سيكون ذا أثر على تكوين عقيدتها، وقضاء المحكمة فى هذه الطلبات، وهو قدر من الانعكاس يكفى لتحقيق المصلحة فى الدعوى المعروضة، فى حدود نطاقها المتقدم، الأمر الذى يتعين معه رفض الدفع بعدم قبول الدعوى المبدى من هيئة قضايا الدولة.

وحيث إن حكم الإحالة ينعى على النص المحال مخالفة نصوص المواد (٢٩، ٣٢، ٣٤، ٣٦) من الدستور الصادر سنة ١٩٧١، وذلك على سند من أن النص المشار إليه، بما قرره من حظر الترخيص بالهدم أو الإضافة إلى المباني  والمنشآت ذات الطراز المعمارى المتميز التى عددها، دون تحديد مدى زمنى معين لهذا الحظر، يكون قد غل يد المالك عن التمتع بحقه فى الملكية، والانتفاع بعناصر ومكنات هذا الحق من استعمال واستغلال وتصرف، ويؤدى إلى انخفاض القيمة السوقية للعقار، كما خلت أحكام هذا النص من بيان الأسس التى يتم وفقًا لها تقدير التعويض المستحق للمالك، الجابر للضرر الذى لحق به، وتحديد توقيت صرف التعويض، والجهة الملتزمة بأدائه، والمستحقين له.

وحيث إن الرقابة على دستورية القوانين من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التى نظمها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، إذ إن هذه الرقابة تستهدف أصلًا - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - صون الدستور وحمايته من الخروج على أحكامه، ذلك أن نصوص هذا الدستور تمثل القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام، التى يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. متى كان ذلك، وكانت المناعى التى تضمنها حكم الإحالة على النص المحال تندرج تحت المطاعن الموضوعية التى تقوم فى مبناها على مخالفة نص تشريعى لقاعدة فى الدستور من حيث محتواها الموضوعى، ومن ثم فإن هذه المحكمة تباشر رقابتها القضائية على دستورية النص المذكور – الذى مازال قائمًا ومعمولًا بأحكامه - من خلال أحكام الدستور الحالى الصادر سنة ٢٠١٤ باعتباره الوثيقة الدستورية السارية.

وحيث إن الدستور - إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة، وتوكيدًا لإسهامها فى صون الأمن الاجتماعى - حرص فى المادتين (٣٣، ٣٥) منه على جعل حمايتها وصونها التزامًا دستوريًا على عاتق الدولة، كما كفل حمايتها لكل فرد - وطنيًا كان أم أجنبيًا - ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفى الحدود التى يقتضيها تنظيمها، باعتبارها عائدة - فى الأغلب الأعم من الأحوال - إلى جهد صاحبها، بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها، وأحاطها بما قدره ضروريًا لصونها، معبدًا بها الطريق إلى التقدم، كافلًا للتنمية أهم أدواتها، محققًا من خلالها إرادة الإقدام، هاجعًا إليها لتوفر ظروفًا أفضل لحرية الاختيار والتقرير، مطمئنًا فى كنفها إلى يومه وغده، مهيمنًا عليها ليختص دون غيره بثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، فلا يرده عنها معتد، ولا يناجز سلطته فى شأنها خصيم ليس بيده سند ناقل لها، ليعتصم بها من دون الآخرين، وليلتمس من الدستور وسائل حمايتها التى تعينها على أداء دورها، وتقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها.

وحيث إن المادة (٥٠) من الدستور قد أكدت على أهمية التراث الحضارى والثقافى المادى والمعنوى، بجميع تنوعاته ومراحله الكبرى، المصرية القديمة والإسلامية والقبطية، وكذا الرصيد الثقافى المعاصر المعمارى والأدبى والفنى بمختلف تنوعاته، باعتبارها جميعًا ثروة قومية وإنسانية، ومن أجل ذلك جعل الحفاظ عليها وصيانتها التزامًا دستوريًا على عاتق الدولة، واعتبر الاعتداء عليها جريمة يعاقب عليها القانون، باعتبارها أحد روافد الهوية الثقافية والحضارية المصرية، التى ألزم الدستور فى المادة (٤٧) منه الدولة بالحفاظ عليها، ومن ثم صار الحفاظ على المبانى والمنشآت ذات الطابع الخاص والطراز المعمارى المتميز، المرتبطة بالتاريخ القومى أو بشخصية تاريخية أو التى تمثل حقبة تاريخية أو التى تعتبر مزارًا سياحيًا، وصيانتها، طبقًا للنص المحال - التزامًا دستوريًا على عاتق الدولة لا تستطيع منه فكاكًا، وذلك باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الرصيد الثقافى المعمارى المعاصر الذى عنته المادة (٥٠) من الدستور، كما يعد إسهام المجتمع والمواطنين فى المحافظة عليها التزامًا قوميًّا، تفرضه المواطنة التي اعتمدها الدستور فى المادة (١) منه أساسًا لبناء المجتمع، والتى تكفل للمواطنين مجموعة من الحقوق والحريات تجاه الجماعة الوطنية والدولة، كما تحمله بمجموعة من الالتزامات يفرضها عليه واجب الانتماء والولاء الكاملين للوطن، يحترم هويته ويؤمن بها، وينتمى إليها، ويدافع عنها، ويحافظ عليها، بكل ما فى عناصر هذه الهوية من ثوابت، التى من بينها مكونات الهوية الثقافية المصرية بروافدها المتنوعة، ومن بينها الرصيد الثقافى المعمارى والأدبى والفنى بمختلف تنوعاته، الذى يعد ثروة قومية تعتز بها الأمم وتناضل من أجلها، ويرتكن إليها المجتمع في نمائه وتقدمه، ومن أجل ذلك جعل الدستور بمقتضى نص المادة (٨٧) منه، مشاركة المواطنين فى الحياة العامة واجبًا وطنيًا، لا يقتصر الالتزام به على الجانب السياسى منها، بل يمتد إلى جوانبها الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وليضحى اضطلاع الملكية الخاصة، التى صانها الدستور بمقتضى نص المادة (٣٥) منه، بدورها فى هذا الشأن، داخلًا فى إطار أدائها لوظيفتها الاجتماعية فى خدمة المجتمع، وهى وظيفة لا يتحدد نطاقها من فراغ، ولا تفرض نفسها تحكمًا، بل تمليها طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التى ينبغي رصدها عليها، ومراعاة أن القيود التى يفرضها الدستور على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل يمليها خير الفرد والجماعة، الأمر الذى يكون معه النص المحال بتحميله حق الملكية بالنسبة للمبانى والمنشآت ذات الطراز المعمارى المتميز، ببعض القيود التى تمثل انتقاصًا من هذا الحق، بهدف الحفاظ عليها، داخلًا فى نطاق سلطة المشرع التقديرية فى مجال تنظيم حق الملكية، ووفاءً من الدولة بالتزامها الدستورى المقرر بالمادتين (٤٧، ٥٠) من الدستور.

وحيث إن تدخل المشرع بتنظيم أوضاع أموال معينة مع إبقائها بيد أصحابها بطريقة تؤدى عملًا إلى تقويض بعض مقوماتها، ويؤثر على قيمتها الاقتصادية إلى حد كبير، ولو كان ذلك تذرعًا بالوظيفة الاجتماعية للملكية أو بوجوب المحافظة على التراث القومى، إنما يعد - كما سلف البيان – انتقاصًا من حق الملكية تتحدد مشروعيته من زاوية دستورية بأن يكون مقترنًا بالتعويض العادل عن القيود التى يتضمنها ذلك التنظيم، خاصة إذا ما وضع فى الاعتبار أن حظر الهدم أو الإضافة للمبانى والمنشآت ذات الطراز المعمارى المتميز، وبالنظر للآثار المترتبة عليه بحرمان المالك من بعض سلطاته الفعلية على ملكه، ومن الفوائد التى يمكن أن تعود عليه منه، يعدل - فى الآثار التى يرتبها - نزع ملكيته من أصحابه، وعلى ذلك فإن صحة تقرير التعويض المستحق قانونًا للمالكين، عن المبانى والمنشآت المشار إليها، الذى تضمنه النص المحال - من الناحية الدستورية - يكون رهينًا بكفالة حق المالكين فى التعويض العادل عن القيود التي تضمنها هذا التنظيم والذى لا يتأتى إلا بتضمين المشرع النص المقرر للتعويض - فى الحالة المعروضة - أسس وقواعد وضوابط تقديره، شاملة معايير تقدير التعويض، وتوقيت تقديره وصرفه لمستحقيه، التى تكفل أن يكون معادلًا للقيمة الحقيقية لما تحمله المالك فى ملكه نتيجة القيود التى فرضها المشرع عليه، وما يضمن أن يقوم التعويض مقام الحق ذاته الذى حرم منه، ويعتبر بديلًا عنه، بما يحقق العدل الذى اعتمده الدستور فى المادة (٤) منه، كأساس لبناء المجتمع، وصيانة وحدته الوطنية، ويكفل تحقيق التوازن بين مصلحة المالكين الخاصة، ومتطلبات تحقيق المصلحة العامة، ذلك التوازن الذى رصده الدستور فى المادة (٢٧) منه كأحد أهداف النظام الاقتصادى، وقيدًا على المشرع فيما يسنه من تشريعات تمس مصالح الأطراف فى العلاقات القانونية المختلفة، ولتكون تلك القواعد والضوابط الحاكمة للتعويض التى يقررها المشرع قيدًا على اللجنة التي أسند إليها بمقتضى نص الفقرة الخامسة من المادة الثانية من القانون رقم ١٤٤ لسنة ٢٠٠٦ المشار إليه، الاختصاص بتقدير التعويض، ولتمكين القضاء المختص من رقابة أعمالها، وتقييم تقديراتها طبقًا لها، وهو الأمر وثيق الصلة بالحق فى التقاضى الذى كفلته المادة (٩٧) من الدستور.

 

فلهذه الأسباب

 

حكمت المحكمة بعدم دستورية عجز الفقرة الأولى من المادة الثانية من

القانون رقم ١٤٤ لسنة ٢٠٠٦ فى شأن تنظيم هدم المبانى والمنشآت غير الآيلة

للسقوط والحفاظ على التراث المعمارى، فيما لم يتضمنه من تحديد قواعد وضوابط

تقدير التعويض المقرر به وصرفه لمستحقيه، ورفض ما عدا ذلك من الطلبات.