الدعوى 29 لسنة 18 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 29 لسنة 18 بتاريخ 03/01/1998
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 3 يناير سنة 1998 الموافق 5 رمضان سنة 1418 هـ .
برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين : محمد ولى الدين جلال وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيرى وعدلى محمود منصور
وحضور السيد المستشار الدكتور / حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 29 لسنة 18 قضائية دستورية
المقامة من
السيد / ...............................
ضد
1 - السيد / رئيس الجمهورية
2 - السيد / رئيس مجلس الشعب
3 - السيد / رئيس الوزراء
4 - السيد المستشار النائب العام
5 - السيد المستشار وزير العدل
6 - السيد / وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة
الإجراءات
بتاريخ 4 إبريل سنة 1996، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالباً الحكم بعدم دستورية المادة (82) من القانون رقم 49 لسنة 1977، وذلك فيما تضمنته من افتراض علم المؤجر أو البائع أو الممكن بالعقد السابق الصادر من نائبه أو من أحد شركائه أو نائبيهم.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن النيابة العامة كانت قد اتهمت المدعى وآخر فى القضية رقم 5723 لسنة 1992 جنح قسم دمياط، بأنهما قاما فى 20/4/1992 بدائرة قسم دمياط، بتأجير المكان المبين بالتحقيقات على خلاف مقتضى العقد السابق المبرم بشأنها. وطلبت معاقبتهما بالمادتين (82، 84) من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر. وقد دانتهما محكمة جنح دمياط حضورياً للأول وغيابياً للثانى بتغريم كل منهما ألف جنيه والمصروفات، فاستأنف المدعى هذا الحكم برقم 1494 لسنة 1996 جنح مستأنف دمياط. وأثناء نظره، دفع المدعى بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (82) من القانون رقم 49 لسنة 1977 المشار إليه التى تفترض علم المؤجر بالعقد السابق الصادر من نائبه أو أحد شركائه فى العقار وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية دفعه، فقد صرحت برفع الدعوى الدستورية ، فأقامها.
وحيث إن المادة (82) من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر تقضى بما يأتى : -
فقرة أولى : يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألفى جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أجر مكاناً أو جزءاً منه أوباعه، ولوبعقد غير مشهر، أو مكن آخر منه وكان ذلك التأجير أو البيع أو التمكين على خلاف مقتضى عقد سابق، ولوغير مشهر، صادر منه أو من نائبه أو من أحد شركائه أو نائبيهم ويفترض علم هؤلاء بالعقد السابق الصادر من أيهم.
فقرة ثانية : ويعاقب بالعقوبة السابقة من يسبق إلى وضع يده، أو يشرع فى ذلك على خلاف مقتضى العقد السابق عليه، قبل استصدار حكم بأفضليته من القضاء المختص، ويفترض علم هذا المتعرض بالتعاقد السابق إذا كان زوجاً لمن تعاقد معه أو من مكنه أو كان من أصوله أو فروعه، أو من أقاربه أو أصهاره إلى الدرجة الرابعة .
وحيث إن المادة (23) من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر تنص على أن يعاقب بعقوبة جريمة النصب المنصوص عليها فى قانون العقوبات، المالك الذى يتقاضى بأية صورة من الصور، بذاته أو بالوساطة أكثر من مقدم عن ذات الوحدة أو يؤجرها لأكثر من مستأجر، أو يبيعها لغير من تعاقد معه على شرائها. ويبطل كل تصرف بالبيع لا حق لهذا التاريخ ولو كان مسجلاً.
ويعاقب بذات العقوبة المالك الذى يتخلف دون مقتض عن تسليم الوحدة فى الموعد المحدد فضلاً عن إلزامه بأن يؤدى إلى الطرف الآخر مثلى مقدار المقدم وذلك دون إخلال بالتعاقد وبحق التعاقد وبحق المستأجر فى استكمال الأعمال الناقصة وفقاً لحكم المادة الأخيرة من المادة (13) من القانون رقم 49 لسنة 1977.
ويكون ممثل الشخص الاعتبارى مسئولاً عما يقع منه من مخالفات لأحكام هذه المادة .
وعملاً بالفقرة الأولى من المادة (24) من هذا القانون، تلغى جميع العقوبات المقيدة للحرية - وفيما عدا العقوبة المقررة لجريمة خلو الرجل- المنصوص عليها فى القوانين المنظمة لتأجير الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وذلك دون إخلال بأحكام المادة السابقة .
وحيث إن مؤدى ماتقدم من نصوص، أن جريمة تأجير مكان أو جزء منه أو بيعه أو تمكين آخر منه على خلاف مقتضى عقد سابق - ولو كان غير مشهر - صادر من المؤجر أو البائع أو الممكن أو من نائبه أو من أحد شركائه أو نائبيهم، ما فتئت قائمة ، مقتصرة عقوبتها على الغرامة ، وفى إطار حديها اللذين قررتهما المادة (82) آنفة البيان.
وحيث إن مناط المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - ارتباطها عقلاً بالمصلحة التى يقوم بها النزاع الموضوعى ، وذلك بأن يكون الفصل فى المسائل الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها؛ وكان من المقرر أن نطاق الطعن بعدم الدستورية إنما يتحدد بنطاق الدفع الذى أبداه المدعى أمام محكمة الموضوع؛ وكان البين من الأوراق أن التهمة التى نسبتها النيابة العامة إلى المدعى تتحصل فى تأجير الشقة محل الاتهام إلى المتهم الثانى ، وهو على علم بسبق قيام شريكه على الشيوع فى ملكيتها بتأجيرها إلى آخر؛ وكان الدفع بعدم الدستورية المبدى منه، قد اقتصر على ما تعلق من النص المطعون فيه بواقعة التأجير، فإن نطاق الطعن الماثل لايجاوز ما يتصل بهذه الواقعة ذاتها من افتراض علم المؤجر بالعقد السابق الصادر من نائبه أو من شريكه أو نائبيهم.
وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة الأولى من المادة (82) المطعون فيها أن افتراضها علم المؤجر بالعقد السابق على تأجيرها الجديد، يعد إهداراً لأصل البراءة المقرر بمقتضى نص المادة (67) من الدستور، حال أن هذا الأصل أحد الركائز الجوهرية التى لا تقوم المحاكمة المنصفة بدونها، ويعتبر لازماً لإدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة ، ومتطلباً لصون الحرية الشخصية فى مجالاتها الحيوية بما يحول دون اعتبار واقعة تقوم بها الجريمة ثابتة بغير دليل، وبما يرد المشرع عن افتراض ثبوتها من خلال قرينة قانونية يحدثها. هذا فضلاً عن أن جريمة التأجير أو البيع أو التمكين على خلاف مقتضى عقد سابق، من الجرائم العمدية التى يعتبر القصد الجنائى ركناً فيها، وكان لازماً بالتالى أن تتحقق المحكمة بنفسها - وعلى ضوء تقديرها للأدلة التى تطرح عليها- من علم المتهم بحقيقة الأمر فى شأن كل واقعة تقوم عليها الجريمة ، وأن يكون هذا العلم يقينيا، لا ظنيا أو افتراضياً.
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة (67) من الدستور تنص على أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته فى محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه.
وحيث إن القرائن القانونية جميعها تعتبر من عمل المشرع، وهو يفرضها فى مجال الجريمة باعتبارها قواعد تتعلق بإثباتها Evidentiary ru les غايتها افتراض واقعة بذاتها - لا تكتمل أركان الجريمة بعيدا عنها - واعتبارها ثابتة بحكم القانون، فلا يكون أمام المتهم إلا نفيها، وهى بذلك تقصر عن أن تؤكد بصفة نهائية صحة الواقعة التى افترضها المشرع باعتبار أن الأصل هو جواز هدمها Rebuttable presumption .
وحيث إن افتراض براءة المتهم، لا يعدو أن يكون استصحاباً للفطرة التى جبل الإنسان عليها، وشرطا لازماً للحرية المنظمة يكرس قيمها الأساسية التى لا يتصور أن تنفصل الجماعة عنها وهو كذلك وثيق الصلة بالحق فى الحياة ، وبدعائم العدل التى تقوم على قواعدها النظم المدنية والسياسية جميعها. ومن ثم كان أصل البراءة جزءاً من خصائص النظام الاتهامى Accusatorial system لازماً لحماية الحقوق الرئيسية التى كفلتها المادة (67) من الدستور لكل متهم، مرددة بها نص المادة (11) من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، والفقرة الثانية من المادة (14) من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية ، بما مؤداه: أن هذه البراءة لا يجوز تعليقها على شرط يحول دون إنفاذ محتواها؛ ولا تعطيلها من خلال اتهام جدياً يكون متهاوياً، ولا نقضها سواء بإعفاء النيابة من إلتزامها بالتدليل على صحة اتهامها، أو عن طريق تدخلها هى أو غيرها للتأثير دون حق فى مسار الدعوى الجنائية ومحصلتها النهائية . بل إن الإخلال بها - وباعتبارها مبدأً بدهياً - An Axiomatic precept يعد خطأ لا يغتفر A prejudicial Error مستوجباً نقض كل قرار لا يتوافق معها.
وحيث إن أصل البراءة يعتبر بذلك جزءاً لا يتجزأ من محاكمة تتم إنصافاً باعتباره متسانداً مع عناصر أخرى تشكل مقوماتها، وتمثل فى مجموعها حداً أدنى من الحقوق اللازمة لإدارتها، ويندرج تحتها أن يكون لكل من المتهم وسلطة الاتهام، الوسائل عينها التى يتكافأ بها مركزيهما سواء فى مجال دحض التهمة أو إثباتها ؛ وهى بعد حقوق لا يجوز الحرمان منها أو تهميشها سواء تعلق الأمر بشخص يعتبر متهماً أو مشتبهاً فيه. وقد أقرتها الشرائع جميعها - لا لِتُظِل المذنبين بحمايتها - وإنما لتدرأ بمقتضاها وطأة الجزاء الجنائى فى شأن جريمة غير مقطوع بوقوعها ممن أسند إليهم الاتهام بإتيانها، إذ لا يعتبر هذا الاتهام كافياً لهدم أصل البراءة ، ولامثبتاً لواقعة تقوم بها الجريمة ، ولاحائلاً دون التدليل عليها، بل يظل هذا الأصل قائماً إلى أن يُنقض من خلال حكم قضائى صار باتاً بعد أن أحاط بالتهمة عن بصر وبصيرة ، وخلص إلى أن الدليل على صحتها - بكل مكوناتها - كان نقياً متكاملاً.
وهو ما يعنى أن كل جريمة يُدَّعى ارتكابها، لا يجوز القول بثبوتها دون دليل جازم ينبسط على عناصرها جميعاً، ولا يجوز كذلك افتراض ثبوتها - ولو فى أحد عناصرها ما كان منها مادياً أو معنوياً - من خلال قرينة قانونية ينشئها المشرع اعتسافاً. ودون ذلك لا يكون أصل البراءة إلا وهماً.
وحيث إن من المقرر كذلك أن دستورية النصوص القانونية التى ينشئها المشرع فى المجال الجنائى ، تفترض صدور قانون يكون محدداً للجرائم التى أنشأتها، ومقرراً عقوباتها بما لا تجهيل فيه وبما لا يجاوز الضرورة ؛ ودون إخلال كذلك بحقوق الدفاع بشأن نفيها، وبمراعاة أن النصوص العقابية الأكثر سوءاً - بالنظر إلى مضمونها - لا يجوز سريانها بأثر رجعى . وكلما أهدر المشرع - من خلال قرينة قانونية أحدثها - افتراض براءة المتهم من التهمة الموجهة إليه، كان ذلك إخلالاً بوسائل دفعها، وإهداراً لتوازن بين الحقوق التى يملكها لدحضها، وتلك التى تحوزها سلطة الاتهام لإثباتها.
وحيث إن افتراض البراءة يبدو أكثر ضرورة فى مجال حقوق الدفاع بالنظر إلى أن الوسائل الإجرائية التى تملكها النيابة العامة فى مجال إثباتها للجريمة ، تدعمها موارد ضخمة يقصر المتهم عنها، ولا يوازنها إلا افتراض البراءة لضمان ألا يدان عن الجريمة مالم يكن الدليل عليها مبرءاً من كل شبهة لها أساسها Dans la doute, on acquitte ولا يجوز بالتالى أن تفسر النصوص العقابية ، باعتبارها نافية لأصل براءة المتهمين بمخالفتها، ولا منهية لضرورة أن يكون الدليل على الإخلال بها منتجاً ومؤثراً، بل يكون لكل متهم - وارتكانا إلى هذا الأصل - أن يظل ابتداءً صامتاً، وأن يفيد انتهاء مما يعتبر شكاً معقولاً Doute raisonable محيطاً بالتهمة من جهة ثبوتها.
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة (82) المطعون عليها، تدل على أن الجريمة المنصوص عليها فيها جريمة عمدية ، مناطها قيام شخص بتأجير عين بذاتها أو جزء منها ولوبعقد غير مشهر كلما كان هذا التأجير يناقض عقداً سابقاً صادراً عنه، أو عن نائبه، أو عن أحد شركائه، أو نائبيهم. ومن ثم يكون القصد الجنائى ركناً معنوياً فى هذه الجريمة لازماً لثبوتها.
بيد أن المشرع قدر أن التعاقد الجديد المناقض للعقد السابق، قد لا يكون صادراً عمن دخل فى العقد الأول، بل عن نائبه أو أحد شركائه أو عن وكيل لأيهما، فافترض علم هؤلاء جميعاً بالعقد السابق، وكأنهم جميعاً شخص واحد يقدر لأموره عواقبها، ويزنها فى إطار من القيود التى حدد بها المشرع نطاق الأعمال التى يجوز أن يباشرها، وهو افتراض لا دليل عليه، ومؤداه: إعفاء النيابة العامة من إلتزامها بتقديم الدليل على علم المؤجر بالتعاقد السابق الصادر من نائبه أو من شريكه فى العين التى يملكانها. وتلك هى القرينة القانونية التى اقحمها المشرع على افتراض البراءة بما ينال من الحرية الشخصية التى تمثل النصوص العقابية أخطر القيود عليها، والتى يعتبر ضمانها ضد كل صور التحامل والتسلط لازماً لصونها، وعلى الأخص فى إطار محاكمة جنائية يعتبر إنصافها شرطاً لاستقامتها من الناحية الدستورية ، وتوكيداً لضرورة أن يكون زمامها بيد محكمة الموضوع وحدها، فلا يكون قضاؤها فيها من فصلاً عن أعمال التحقيق التى تجريها بنفسها، والتى تستخلص منها قناعتها بقيام الجريمة المدعى بها أو انتفائها.
وحيث إنه لما تقدم، تكون الفقرة المطعون عليها مخالفة لأحكام المواد (41، 67، 69، 86، 165) من الدستور. والقول بأن الأحكام التى تضمنها القانون رقم 4 لسنة 1996 فى شأن سريان قواعد القانون المدنى على صور بذواتها من العلائق الإيجارية ، وإهدار كل قاعدة على خلافها، تعتبر أصلح للمتهم فى مجال تطيبقها على النزاع الماثل، مردود بما جرى عليه قضاء هذه المحكمة من أن اتفاق القانونين اللاحق والسابق مع أحكام الدستور يعتبر شرطاً مبدئيا للنظر فى أصلحهما للمتهم. ولا كذلك الفقرة الثانية المطعون عليها التى خلص قضاء هذه المحكمة إلى تعارضها مع بعض الأحكام التى تضمنها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (82) من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وذلك فيما تضمنته من افتراض علم مؤجر المكان أو جزء منه بالعقد السابق الصادر من نائبه أو من أحد شركائه أو نائبيهم، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .