الدعوى 16 لسنة 10 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 16 لسنة 10 بتاريخ 01/02/1992
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت أول فبراير سنة 1992 الموافق 27 رجب سنة 1412 هـ .
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين: الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف والدكتور/ عبد المجيد فياض وماهر البحيرى أعضاء
وحضور السيد المستشار/ السيد عبد الحميد عماره المفوض
وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 16 لسنة 10 قضائية دستورية .
المرفوعة من
1- السيد/ .......................
ضد
1- السيد رئيس الجمهورية
2- السيد رئيس مجلس الوزراء
3- السيد وزير العدل
4- السيد النائب العام
5- السيد رئيس المجلس الأعلى للقضاء
الإجراءات
بتاريخ 5 مارس سنة 1988 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً الحكم بعدم دستورية المادتين (107) ، (111) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 .
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها .
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، والمداولة .
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق تتحصل في أن مجلس تأديب القضاة وأعضاء النيابة العامة كان قد أصدر حكماً بتاريخ 23 ديسمبر سنة 1985 بنقل المدعى إلى وظيفة أخرى غير قضائية ، فتقدم المدعى بطلب – قيد برقم 1 لسنة 86 ق رجال القضاء لدى محكمة النقض (الدائرة المدنية والتجارية ) يطعن فيه على القرار الصادر بنقله إلى وظيفة أخرى، وأثناء نظر هذا الطلب دفع المدعى بعدم دستورية المادتين (107) ، (111) من قانون السلطة القضائية، وبجلسة 12 ينايرسنة 1988 رخصت له محكمة النقض برفع دعواه الدستورية، فأقام الدعوى الماثلة .
وحيث إن المدعى يطلب الحكم بعدم دستورية المادتين (107) ، (111) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 ، مستنداً في ذلك إلى أن الحكم الصادر من مجلس تأديب القضاة المشكل وفقاً للمادة (98) من ذات القانون قد قضى بإحالته إلى وظيفة أخرى غير قضائية ، إعمالاً للسلطة المخولة له في المادة (111) من القانون المذكور ، وأن هذا الحكم قد أصبح نهائياً لا يجوز الطعن عليه بأى طريق من طرق الطعن بمقتضى المادة (107) منه، ومن ثم يجئ حكم هاتين المادتين مخالفاً لما تنص عليه المادة (68) من الدستور، فيما تنص عليه من كفالة حق التقاضى للناس كافة، وحظر النص في القوانين على تحصين أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء .
وحيث إن قانون السلطة القضائية الصادر به القرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 المعدل بالقانون رقم 35 لسنة 1984 قد نظم في المادة (111) منه، الأحكام المتعلقة بدعوى الصلاحية ، فنص في فقرتها الأولى على أنه إذا ظهر في فى أى وقت أن القاضى فقد أسباب الصلاحية لولاية القضاء لغير الأسباب الصحية يرفع طلب الإحالة إلى المعاش أو النقل إلى وظيفة أخرى غير قضائية من وزير العدل من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب رئيس المحكمة إلى المجلس المشار إليه في المادة (98)، ولهذا المجلس إذا رأى محلاً للسير في الإجراءات أن يندب عند الاقتضاء أحد أعضائه لإجراء ما يلزم من التحقيقات ، ويدعو المجلس القاضى للحضور أمامه بميعاد ثلاثة أيام ، كما تنص فقرتها الثانية على أنه وبعد سماع طلبات ممثل النيابة العامة ودفاع القاضى أو من ينوب عنه، يصدر المجلس حكمه مشتملاً على الأسباب التى بنى عليها، إما بقبول الطلب وإحالة القاضى إلى المعاش، أو نقله إلى وظيفة أخرى غير قضائية، وإما برفض الطلب . وتسرى على هذا الطلب – وعملاً بالفقرة الثالثة من المادة (111) المشار إليها – أحكام المواد (104) ، (105) ، (106) ، (107) من هذا القانون.
وحيث إن البين مما تقدم ، أن المشرع ناط بالمجلس المنصوص عليه فى المادة (98) من قانون السلطة القضائية الفصل فى دعوى الصلاحية بمراعاة الأحكام التى خصها بها بمقتضى المادة (111) المشار إليها ، وفي إطار الضمانات الجوهرية المنصوص عليها في المواد (104) ، (105) ، (106) ، (107) من هذا القانون.
وحيث إن دعوى الصلاحية، لا تقوم في الأصل على تهمة محددة جرى إسنادها إلى القاضى، وإن صح الارتكان إلى الحكم الصادر في شأنها لتقييم حالته على ضوء الشروط التى يتطلبها المشرع فيمن يولى القضاء ومن بينها أن يكون شاغل الوظيفة القضائية محمود السيرة حسن السمعة، وهو شرط لا ينفك عنه بل يلازمه دوماً ما بقى قائماً بأعبائها، بحيث إذا انتفت صلاحيته للاستمرار فيها ، تعين بقرار من مجلس الصلاحية إحالته إلى المعاش، أو نقله إلى وظيفة أخرى بعيداً عن العمل القضائى، ليس لازماً أن تكون عناصر الواقعة الواحدة مؤيدة في كل جزئياتها بالأدلة المثبتة بها، وإنما يجوز أن يؤسس مجلس الصلاحية قراره على ما يتولد من الانطباع عن أفعال أتاها القاضى وتناقلتها السن الناس في محيط اجتماعى معين، واستقر في وجدانها كحقيقة تزعزع الثقة فيه وتنال من اعتباره، وبالتالى لا يرتبط قرار مجلس الصلاحية لزوماً بواقعة معينة، بل يقوم عمل المجلس في جوهره على تقييم لحالة القاضى في مجموعها من حيث صلاحيته للاستمرار فى وظيفته القضائية، وتنحل دعوى الصلاحية بالتالى إلى دعوى أهلية يراعى عند الفصل فيها الاعتداد بالعناصر المختلفة التى تتصل بهذا التقييم حتى ما كان متعلقاً بحقبة ماضيه، ذلك أن الآمر المعتبر في تقدير حالة القاضى هو النهج الذى احتذاه طريقاً ثابتاً في مظاهر سلوكه المختلفة . ومن ثم لا يتقيد مجلس الصلاحية للقيم التى التزمها بفترة معينة دون أخرى، ولا بواقعة دون غيرها، وإنما يقلب البصر في الصورة المتكاملة لسمعته وسيرته ، وما استقر في شأنها بطريق التواتر ماضياً وحاضراً ذلك أن عمل القاضى لا يقاس بغيره من الموظفين العموميين، ولا هو يؤاخذ بالضوابط المعمول بها في شأن واجباتهم الوظيفية، وإنما يتعين أن تكون مقاييس سلوكه أكثر صرامة وأشد حزماً نأيا بالعمل القضائى عن أن تحيطه الشبهات، أو تكتنفه مواطن الريب التى تلقى بذاتها ظلا لاً قاتمة على حيدته ونزاهته، وتتضاءل معها أو تنعدم الثقة في القائمين عليه ، بما يستوجب الحكم بانتفاء صلاحية القاضى لولاية القضاء وإبعاده عن محيط العمل القضائى إذا ما انزلق إلى أفعال كان ينبغى عليه أن يتجنبها صوناً لهيبة الوظيفة القضائية، وتوكيداً لسمو شأنها وتوقياً للتعريض بها إذا لابستها عوامل تنتقص من كرامتها أو داخلتها مآخذ لا يطمأن معها إلى الالتزام بقيمها الرفيعة .
وحيث إن مؤدى النصوص المتقدمة مجتمعة ، أن الاختصاص بالفصل فى دعوى الصلاحية موكول إلى سبعة من رجال القضاء ، هم بطبيعة مراكزهم وأقدمياتهم على القمة من مدارج التنظيم القضائى ، وبالتالى أكثر خبرة ودراية بأوضاع السلطة القضائية وشئون القائمين عليها ، وأعمق فهما للمقاييس الصارمة التى يتعين أن يؤدى العمل القضائى في إظهارها ، وأنفذ إلى الضوابط الكامنة في طبيعة الوظيفة القضائية ، وما يرتبط بها من القيم الرفعية التى ترد عنها كل تخرص أو شبهة تنال منها. ومن ثم يكون مجلس الصلاحية – وعلى ضوء تلك الحقائق – مهيأ أكثر من غيره للفصل في نزاع يؤول إلى إبعاد القاضى عن تولى مهام الوظيفة القضائية وهو نزاع يتصل مباشرة ً بالشروط التى يتطلبها القانون فيمن يولى القضاء ، والمعتبرة من الشئون المتصلة بجوهر الوظيفة القضائية لارتباطها بالقائمين عليها ، وكيفية النهوض بمتطلباتها، إذ كان ذلك وكان المشرع – إعمالاً للقوانين المخول له بمقتضى المادة (167) من الدستور ، في شأن تحديد الهيئات القضائية واختصاصاتها وتنظيم طريقة تشكيلها – قد أسند الفصل في دعوى الصلاحية إلى قضاة من بين رجال السلطة القضائية ، يكونون أكثر إحاطة بها وأقدر على مواجهتها بحكم مواقعهم العليا فى التنظيم القضائى، هم هؤلاء الذين يتكون منهم مجلس الصلاحية، فان إقامة هذا المجلس على شئون تلك الدعوى لا يتضمن خروجاً على نص المادة (68) من الدستور، إذ هو قاضيها الطبيعى بالنسبة إلى من يحالون إليه من رجال السلطة القضائية، لما أثير حولهم من أمور تمس السلطة القضائية في صميمها وتعتب من دخائلها.
وحيث إن المشرع أفرد مجلس الصلاحية بتنظيم خاص عهد إليه بمقتضاه ولاية الفصل بصفة قضائية في الدعوى المتعلقة بها، وتتحدد ملامح هذا التنظيم في تشكيل مجلس الصلاحية بأكمله من عناصر قضائية وقيامه دون غيره على شئون دعوى الصلاحية ، وهيمنته على إجراءاتها إذا ما قرر السير فيها، فإذا بأن له من الاطلاع على أوراقها أن موجبات رفعها إليه منتفية، غض النظر عنها غير مقيد في ذلك بطلب الإحالة إلى المعاش، أو النقل إلى وظيفة غير قضائية المرفوع إليه من وزير العدل، إذ لا ينال هذا الطلب – وبه تقام دعوى الصلاحية – من السلطة المطلقة التى يملكها المجلس بصددها بلا معقب عليه من أية جهة، وكلما رأى مجلس الصلاحية محلاً للسير في إجراءاتها ، اعتبر ذلك افتتاحا للخصومة يؤذن بالبدء في تحقيق موضوعها. وفي سبيل ذلك اختص المشرع مجلس الصلاحية بالحق فى أن يعهد إلى أحد أعضائه بإجراء ما يراه لازماً من أعمال التحقيق التى يستظهر بها وجه الحقيقة، أو تلقى ضوءاً على بعض جوانبها انطلاقاً من أن التحقيق الذى تجريه المحكمة أو الهيئة القضائية التى خولها المشرع سلطة الحكم في الدعوى هو الذى يكفل التوصل إلى الحقيقة الراجحة التى يقيم عليها الحكم قضاءه، وبلوغاً لهذه الغاية خول المشرع مجلس الصلاحية، وكذلك من يندبه لأعمال التحقيق حق استدعاء الشهود لسماع أقوالهم إذا كان من شأنها إيضاح بعض الوقائع التى غمض أمرها وتجلية وجه الخفاء فيها مزوداً فى ذلك بالسلطة المخولة لمحاكم الجنح كذلك فان الأصل فى الإجراءات التى يتخذها المجلس هو أنها تتم في مواجهة القاضى المرفوعة عليه الدعوى فلا يجوز للمجلس أن يحكم في غيبته إلا بعد التحقق من صحة اعلانه. ولئن نص القانون على أن يدعو مجلس الصلاحية العضو المحال إليه للحضور أمامه بميعاد ثلاثة أيام – وهو ميعاد قصير نسبياً – إلا أن ذلك لا يخل بحقه في الدفاع عن وجهة نظره وإبدائها كاملة أمام المجلس سواء استجاب إلى الدعوة الموجهة إليه وحضر بشخصه لدحض الوقائع المنسوبة إليه، أم فوض في الدفاع عنه أحد رجال القضاء من غير مستشارى محكمة النقض بما مؤداه ضمان حقه في الدفاع بالأصالة أو بالوكالة، شفاهة أو كتابة ، وتوكيداً لهذه الضمانة ذاتها حرص المشرع على أ، يخول مجلس الصلاحية الحق في أن يطلب من العضو المحال إليه الحضور بشخصه إذا قدر ضرورة ذلك لاستيضاح بعض النقاط المثارة في الدعوى أو التى تتصل بها كى يكون الحكم فيها صادراً عن بصر وبصيرة، دالاً على أنه أحاط بجوانبها المختلفة، وتعزيزاً لضمانة الدفاع لا يجوز لمجلس الصلاحية أن يفصل في الدعوى المتعلقة بها، إلا بعد سماع أقوال النيابة العامة ودفاع العضو المرفوعة عليه الدعوى على أن يكون هذا العضو آخر من يتكلم بما يعينة ذلك من ضمان حقه في الرد تعقيباً على كل واقعة نسبتها إليه النيابة العامة، أو كشفت عنها الأوراق، وتفنيداً لأقوال الشهود وتوصلاً إلى اطراحها. كذلك فإن ما قرره المشرع من عدم جواز الحكم في غيبته إلا بعد التحقق من صحة إعلانه يمثل ضمانة قصد بها – بالإضافة إلى مواجهته بكل ما قدم ضده من الأدلة – أن يقف مجلس الصلاحية على حقيقة الأمر في شأن صلاحيته للعمل القضائى، وهو ما يفيد لزوماً تقصيه لكل واقعة جرى اسنادها إليه كى ينزلها المنزلة التى تستحقها ويكون عقيدته على ضوء ما ينتهى إليه بشأنها، ومن ثم يتأكد للعضو المرفوعة عليه الدعوى حقه في الدفاع الذى كفل الدستور أصله بالفقرة الأولى من المادة (69) منه.
وحيث إنه على ضوء الأحكام السالف بيانها، تتمحض دعوى الصلاحية عن خصومة قضائية، أسند المشرع الفصل فيها إلى مجلس الصلاحية المشكل من عناصر قضائية صرفة ، وذلك باعتباره جهة قضاء تباشر بصفة دائمة اختصاصاتها المنصوص عليها في قانون السلطة القضائية طبقاً للمادة (111) منه، وفي إطار من الضمانات الرئيسية للتقاضى التى كفلها المشرع للعضو المرفوعة عليه الدعوى، وأخصها تكليفه الحضور أمام هذا المجلس لمواجهة ما أسند إليه وتمكينه من أبداء دفاعه، وسماع أقواله وتحقيقها ومقابلتها بطلبات النيابة العامة وأقوال الشهود ليتخذ مجلس الصلاحية على ضوء جماع العناصر المطروحة في الدعوى قراراً قضائياً حاسماً للخصومة محدداً به وفقاً للقانون خاتمتها سواء برفض الدعوى أو بإبعاد العضو عن محيط العمل القضائى، وفي كل ذلك يتعين أن يكون هذا القرار القضائى مشتملاً على الأسباب التى بنى عليها كى يكون له مأخذه من الأوراق وحكم القانون. وإذ حظر المشرع الطعن في هذا القرار الذى لا يعدو أن يكون حكماً بمعنى الكلمة، فقد دل بذلك على اتجاه إرادته إلى قصر التقاضى في المسائل التى فصل فيها هذا الحكم على درجة واحدة، وهو ما يستقل المشرع بتقديره في إطار سلطته في مجال تنظيم الحقوق، وبمراعاة ما يقتضيه الصالح العام .
وحيث إن النص المطعون فيه لا يتعارض مع أى حكم من أحكام الدستور من أوجه أخرى .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى ، وبمصادرة الكفالة ، وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .
أمين السر رئيس المحكمة