الطعن رقم 1870 لسنة 40 بتاريخ : 1996/12/03 الدائرة الثالثة

____________________________


برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فاروق على عبد القادر - نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة وعضوية السادة الأساتذة المستشارين: على فكرى حسن صالح والدكتور/ حمدى محمد أمين الوكيل، الصغير محمد محمد بدران، محمد إبراهيم قشطة نواب رئيس مجلس الدولة

*
الإجراءات

في يوم الثلاثاء الموافق 5/4/1994 أودع الأستاذ/ ............. المحامى بصفته وكيلا عن الطاعن، قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها تحت رقم 1870 لسنة 40 ق ع في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الثالثة) أن الطعن رقم 594 لسنة 38 ق.ع بجلسة 29/6/1993 المقام من السيد رئيس هيئة مفوضى الدولة ضد رئيس مجلس إدارة هيئة كهرباء مصر والذى قضى حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه ورفض دعوى المدعى وإلزامه مصروفاتها عن الدرجتين ومصروفات الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا.
وطلب الطاعن وللأسباب الواردة بتقرير الطعن الحكم بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بإلغاء الحكم الصادر في الطعن رقم 110 لسنة 17 ق والقضاء أولا وأصليا: بإعادة ملف الدعوى رقم 179 لسنة 31 ق للمحكمة الإدارة لوزارة المالية والقضاء في موضوع الدعوى، واحتياطيا : بقبول الطعن رقم 1109 لسن 17ق شكلا وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه رقم 615 لسنة 1977 المؤرخ 30/4/1977 فيما تضمنه من إنهاء خدمة ا لطاعن وما يترتب على ذلك من آثار قانونية وصرف الفروق المالية، ثالثا: إلزام الجهة الإدارية المطعون ضدها بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماه من جميع درجات التقاضى.
وبعد إعلان صحيفة الطعن للمطعون ضده أودعت هيئة مفوضى الدولة تقريرا مسببا ارتأت فيه الحكم بعدم قبول دعوى البطلان الأصلية شكلا وإلزام الطاعن المصروفات، كما تم نظر الطعن أمام المحكمة بجلسة 6/8/1996 وفيها قررت المحكمة بجلسة 3/12/1996 مع التصريح بالاطلاع وتقديم مذكرات لمن يشاء خلال ثمانية أسابيع وبجلسة اليوم صدر الحكم وأودعت صورته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

*
المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
ومن حيث أن عناصر هذه المنازعة تخلص - حسبما يبين من الأوراق - في أن ........ قد أقام الدعوى رقم 179 لسنة 31 ق بصحيفة أودعها قلم كتاب المحكمة الإدارية لوزارة المالية بتاريخ 15/8/1984 ضد رئيس مجلس إدارة هيئة كهرباء مصر بصفته طالبا الحكم بقبول الدعوى شكلا وفي الموضوع باعتبار القرار التنفيذى رقم 615 لسنة 1977 المؤرخ 20/4/1977 قرارا بطالا وتسليمه العمل وتسوية حالته الوظيفية طبقا لقانون التسويات منذ انتهاء خدمته في 15/10/1975 مع ما يترتب على ذلك من آثار، وقال في شرح دعواه أنه أعير من الهيئة العامة لبناء السد العالى للعمل بمؤسسة الكهرباء بالجمهورية العربية الليبية بالقرار رقم 52 لسنة 1970 وأثناء مدة إعارته تم نقله بدرجته المالية من الهيئة العامة لبناء السد العالى للعمل بالمؤسسة المصرية العامة للكهرباء، وفي عام 1975 قرر العودة إلى أرض الوطن، إلا أن أمانة كهرباء بنى غازى رفضت إخلاء طرفه وأبلغته بأن ثمة اتصالات بمؤسسة الكهرباء لمد إعارته، وبتاريخ 9/8/1983 تقدم بطلب بإخلاء طرفه من العمل بالجهة المعار إليها، حيث وافقت على ذلك وحررت له شهادة تفيد ذلك، وعند عودته لأرض الوطن فوجئ بان المنطقة أصدرت الأمر التنفيذى رقم 615 لسنة 1977 بتاريخ 30/4/1977 بإنهاء خدمته اعتبارا من 15/10/1975 لانقطاعه عن العمل، وورد بديباجة القرار أن الهيئة أنذرته بتاريخ 7/1/1976 في الوقت الذى ليس له محل إقامة في مصر لأنه منذ إعارته ترك مسكنه التابع للهيئة فضلا عن أن الهيئة لم ترسل إليه إنذار في ليبيا رغم علمها بأنه معار إليها.
وبجلسة 12/5/1987 حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى شكلا لرفعها بعد الميعاد تأسيسا على أنه لم يتحقق علم المدعى بالقرار المطعون فيه إلا عندما طلب تسليمه العمل وتظلم منه في 9/1/1984 وأخطر برفض تظلمه في 1/3/1984 ولم يقم دعواه إلا في 15/8/1984 أى بعد الميعاد المقرر قانونا.
وبتاريخ 1/7/1985 أقام المدعى الطعن رقم 1109 لسنة 17 ق أمام محكمة القضاء الإدارى طالبا إلغاء هذا الحكم، وبجلسة 1/11/1987 قضت المحكمة المذكورة بقبول الطعن شكلا ورفضه موضوعا. وبتاريخ 21/1/1988 طعنت هيئة مفوضى الدولة في حكم محكمة القضاء الإدارى المذكور أمام المحكمة الإدارية العليا بالطعن رقم 530 لسنة 34 ق.ع التى قضت بجلسة 6/3/1990 بقبول الطعن شكلا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وبقبول الدعوى رقم 179 لسنة 31 ق شكلا وبإعادة الطعن رقم 1109 لسنة 17 ق إلى محكمة القضاء الإدارى دائرة الجزاءات والترقيات للفصل فيها، وبجلسة 16/12/1991 حكمت محكمة القضاء الإدارى في موضوع الطعن رقم 1109 لسنة 37ق.ع برفضه. وشيدت قضاءها تأسيسا على ما ثبت لديها من أن المدعى قد أعير للعمل بمؤسسة كهرباء بنى غازى بالجمهورية الليبية لمدة انتهت في 15/10/1975 وقد تم إنذاره بطريق البريد المسجل بعلم الوصول للعودة لعمله الأصلى في خلال خمسة عشر يوما حتى لا تتخذ إجراءات إنهاء خدمته ولم يحضر المدعى وصدر القرار المطعون فيه ولذلك يكون هذا القرار متفقا وحكم القانون مما يتعين معه رفض الدعوى.
وبتاريخ 13/12/1992 أودعت هيئة مفوضى الدولة قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها تحت رقم 594 لسنة 38 ق.ع ضد رئيس مجس إدارة هيئة كهرباء مصر طعنا على هذا الحكم وطلبت هيئة مفوضى الدولة إلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بإلغاء القرار رقم 625 لسنة 77 فيما تضمنه من إنهاء خدمة الطاعن مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وبجلسة 29/6/1993 حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وبقبول الدعوى شكلا ورفضها موضوعا تأسيسا على أن الثابت بملف خدمة المذكور أن الجهة الإدارية رخصت له بإعارة للعمل بأمانة كهرباء بنى غازى بالجمهورية الليبية لمدة أربع سنوات تنتهى في 14/10/75 إلا أنه لم يعد بعد انتهاء الإعارة الأمر الذى حدا بالجهة الإدارية إلى إنذاره على عنوانه بالقاهرة بتاريخ 7/1/1979 وقد تضمن بكل وضوح أنه في حالة عدم عودته سوف تنتهى خدمته طبقا لأحكام القانون رقم 11 لسنة 1971 وعلى هذا النحو يكون الجهة الإدارية قد قامت بما ألزمها به القانون من إنهاء خدمته مما يتعين معه رفض الطعن.
وينعى الطاعن على الحكم المطعون فيه الخطأ الجسيم للأسباب التالية:
الأول: تفويت درجة من درجات التقاضى هى المحكمة الإدارية لوزارة المالية عندما أصدرت حكمها في الدعوى رقم 179 لسنة 31 ق لم تتحرى لموضوع الدعوى وأصدرت قضاءها على عدم قبول الدعوى شكلا ومحكمة القضاء الإدارى في قضائها في الطعن رقم 1106 لسنة 97 بجلسة 26/1/1987 لم تتعرض أيضا لموضوع الدعوى واقتصر قضاءها على الشكل - وكان يتعين على محكمة القضاء الإداري عندما أعيد إليها الطعن من المحكمة الإدارية العليا أن تطعن بإحالته إلى المحكمة الإدارية للمالية للفصل فيه حتى لا تفوت على المدعى درجة من درجات التقاضى وإذا لم تفصل فإن ذلك الحكم الطعين فإنه يكون مشوبا بخطأ جسيم في الإجراءات.
الثانى: أن الدعوى لم تكن مهيأة للفصل في موضوعها لأن المحلق الأول كان متعلق بالشكل وليس بالموضوع كما ذهب إليه الحكم الطعين، كما أنه فضلا عن ذلك، فإنه وإن كان مبنى الطعن الثانى على الحكم الصادر في الموضوع إلا أنه اتضح أثناء تحضير الطعن بطعن الحكم بعدم صلاحيته أحد السادة المستشارين أعضاء الهيئة ومن ثم لا يمكن القول بأن المحلق الثانى بناه المتهم المبنى عليه الطعن الأول لأن بطلان الحكم وانعدامه بالضرورة أنه لم يفصل في الموضوع بحكم طعين ويكون في غير محله ما ذهب إليه الحكم محل الطعن من أن محكمة القضاء الإداري بهيئة استثنائية قد سبق لها أن تصدت للموضوع برمته.
ثالثا: الخطأ في فهم الدافع في الدعوى وفي تطبيقه القانون وتأويله، وهذا الخطأ يتمثل في أن الحكم محل الطعن سيطرت عليه فكرة بعيدة عن القانون والواقع وعليه فإن الطاعن قد استمر في ليبيا بعد انتهاء الإعارة بإرادته واستفاد من ذلك ولم يستطع أن يعود بعد ثمانية أعوام ويعود إلى عمله بالرغم من أن الأوراق تكشف أن تحديد الإعارة كان مطلوبا من الهيئة المعار منها ولم ترد بالرفض على الجهة المعار إليها بليبيا.
رابعا: مخالفة الحكم الطعون فيه للمادة 54 من قانون مجلس الدولة ذلك أن تلك المادة توجب على الدائرة التى أصدرت الحكم إذا رأت العدول عن مبدأ قانونى قررته أحكام سابقة صادرة من المحكمة الإدارية العليا أن تجعل الطعن إلى الهيئة المنصوص عليها في المادة المذكورة - والدائرة التى أصدرت الحكم الطعين عدلت - من تلقاء نفسها عن المبادئ المستقرة بأحكام المحكمة الإدارية العليا من حيث اشتراط أن يكون الإنذار كتابة وأن تقوم الجهة الإدارية الدليل على إرسال الإنذار، وإذا لم تفعل فإن حكمها يكون باطلا خليقا بالإلغاء.
ومن حيث أن قضاء هذه المحكمة مستقر على أنه لا يجوز الطعن في الأحكام الصادرة من المحكمة الإدارية العليا بأى طريق من طرق الطعن إلا إذا شاب الحكم عيب جسيم في الإجراءات أو في ذات الحكم يوجب بطلانه ويبرر إقامة دعوى بطلان أصلية وذلك إذا شاب الحكم عيب منصوص عليه في قانون مجلس الدولة أو قانون المرافعات المدنية يرتب المشرع على توافره بطلان الحكم بالنص الصريح كما في المواد (167، 168، 174، 175، 196، 177/2) من قانون المرافعات المدنية والتجارية، أول إذا إذا انتفت عنها صفة الأحكام القضائية، وعموما نزل بالحكم إلى مرتبة العدم والذى يتحد بتخلف أحد الأركان الأساسية لوجود المحكمة ولولايتها أو أحد الأركان الجوهرية للحكم القضائى، ومع ذلك أن يصدر حكم عن أفراد ليس لهم ولاية القضاء أو غير صالحين لرفع الدعوى أو من تشكيل غير مكتمل أو إذا صدر الحكم دون انعقاد الخصومة وقيام منازعة ولو اتخذ شكل الأحكام (المواد 126، 147 مرافعات) - كما يجب ألا يتعدى الأساس الذى تقوم عليه دعوى البطلان الأصلية الطعن على مسائل موضوعية تندرج كلها تحت احتمالات الخطأ والصواب في تفسير القانون وتأويله بحسبان أن تلك الأسباب لا تمثل إهدارا للعدالة يفقد معها الحكم وظيفته وبالتالى لا تعيبه بأى عيب ينحدر به إلى درجة الانعدام ومن مناط قبول دعوى البطلان الأصلية.
ومن حيث أن مناط الطعن بدعوى البطلان الأصلية على الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 594 لسنة 28 ق.ع الصادر بجلسة 29/6/1999 بقبول الطعن شكلا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض دعوى المدعى وإلزامه مصروفاتها عن الدرجتين دون مصروفات الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا ه الخطأ الجسيم من عدمه وجودا وتفويت درجة من درجات التقاضى. والثانى الحكم في الدعوى بالرغم من أنها لم تكن مهيأة للفصل في موضوعها، والثالث الخطأ في فهم الوقائع في الدعوى وفي تطبيق القانون وتأويله والرابع مخالفة الحكم الطعين لحكم المادة (54) مكرر من قانون مجلس الدولة.
ومن حيث أنه عن الوجه الأول والذى مبناه تفويت درجة من درجات التقاضى - على النحو الوارد تفصيلا في صحيفة الطعن - فإن ذلك مردود عليه بأن محكمة القضاء الإدارى عندما تنظر الطعون التى ترفع إليها عن الأحكام الصادرة من المحاكم الإدارية تنظرها بهيئة استئنافية أى أن موضوع المنازعة تطرح برقية أمامها لكى تنزل عليه حكم القانون وبالتالى فإنه بالطعن أمام تلك المحكمة بالطعن رقم 1109 لسنة 17 ق فإن الموضوع قد غدا مطروحا برمته أمامها للفصل فيه فإن طعن في قضائها أمام المحكمة الإدارية العليا رفضت الأخيرة بإعادة الموضوع إليها لا تكون بذلك قد فوتت درجة من درجات التقاضى، بل إن المحكمة الإدارية العليا كان يسوغ لها وقد ألغت حكم محكمة القضاء الإدارى أن تتصدى للموضوع وتفصل فيه طالما كان صلاحا لذلك، وبالتالى لا يعد سلوك المحكمة في هذه الحالة تفويت لدرجة من درجات التقاضى.
ومن حيث أنه عن الوجه الآخر والمتعلق بما أثاره الطاعن من أن الدعوى قد تم الفصل في موضوعها بالرغم من أنها لم تكن مهيأة للفصل فيها استنادا إلى أن محكمة النقض عندما تقضى في الموضوع إذا كان للمرة الثانية تشترط أن يكون الطعن الثانى مرة وبذات السبب وأن تكون الدعوى مهيأة للفصل في موضوعها وأن هذين الشرطين غير متوافرين بالنسبة للطعن، فإن ذلك مردود عليه بأن المحكمة الإدارية العليا هى قمة القضاء الإدارى وما تذهب إليه يكون مبادئ قانونية بما يحقق أمامه بأحكام دفاع محامى آخر.
ومن حيث أنه عما يفعله الطاعن تجاه الحك الطعين من الخطأ في فهم الواقع على سند من القول بأن المحكمة لم تلتفت إلى المستندات الدالة على أن الجهة المعار إليها الطاعن قد قررت استبقائه بعد انتهاء الإعارة وطالبت المسئولية في مصر مما يجعل عدم خلو طرفه عائقا من العودة إلى الوطن وكذلك عدم التحقق من وصول الإنذارين للطاعن، فإنه يكفى لهذا الحكم أن يكون مقاما على أساس تستطيع معه ما دامت المحكمة قد أبرزت في حكمها إجمالا الحجج التى تكونت منها عقيدتها مطرحة بذلك ضمنا الأسانيد التى قام عليها دفاع الطاعن.
ومن حيث أنه عما يفعله الطاعن من مخالفة الحكم الطعين لنص المادة (54) مكررة من قانون مجلس الدولة من حيث اشتراط الإنذار الكتابى في ‘إنهاء الخدمة فإن هذا القول لا يعدو أن يكون محاولة لإثارة الجدل حول الحكم الطعين دون أسانيد وذلك أن الإنذارين ثابتان من الأوراق واقتنعت بهما المحكمة.
ومن حيث أن مناط قبول دعوى البطلان الأصلية شكلا مرتبطة بهذا التكييف أو كونها دعوى بطلان أصلية وعدم انطوائها على طعن في حكم صادر من المحكمة الإدارية العليا، ولما كان الأمر - حسبما سلف البيان - أنه لم تتوافر أركان دعوى البطلان الأصلية في الطعن الماثل فإنه يتعين الحكم بعدم قبوله وإلزام الطاعن المصروفات.

*
فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول دعوى البطلان الأصلية وإلزام الطاعن المصروفات.