طعن رقم 483 لسنة 34 بتاريخ 24/11/1991 دائرة منازعات الأفراد والهيئات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ محمد حامد الجمل رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة/ إسماعيل عبد الحميد إبراهيم وعادل فرغلى وأحمد شمس الدين خفاجى وفريد نزيه تناغو نواب رئيس مجلس الدولة .
* إجراءات الطعن
فى يوم الاحد الموافق 17/1/1988 أودعت هيئة قضايا الدولة نيابة عن الطاعنين قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد برقم 483 لسنة 34 ق فى الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى دائرة منازعات الأفراد والهيئات بجلسة 1/11/1987 فى الدعوى رقم 2361 لسنة 40 ق بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه وإلزام الجهة الإدارية المصروفات.
وطلب الطاعن للأسباب الواردة بتقرير الطعن الحكم اولا : بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه حتى يفصل فى الموضوع ثانيا : بإحالة الطعن الى المحكمة الإدارية العليا ليقضى فيه بقبول الطعن شكلا، وفى الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه وإلزام المطعون ضدها بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن درجتى التقاضى .
وقد عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون جلسة 20/7/1991 حيث نظر أمامها بالجلسة المذكورة والجلسات التالية حتى قررت الدائرة بجلسة 8/7/1991 إحالة الطعن الى المحكمة الإدارية العليا دائرة منازعات ا لأفراد والهيئات والتعويضات .
وقدم السيد الأستاذ المستشار/ على رضا هيئة مفوضى الدولة تقريرا بالرأى القانونى ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه وإلزام المطعون ضدها المصروفات وقد تم تداول الدعوى ومناقشة أدلتها التفصيلية على النحو المبين بمحاضر الجلسات حتى تقرر حجزها للنطق بالحكم بجلسة 10/11/1991 ثم تقرر مد اجل النطق بالحكم الى جلسة اليوم 24/11/1991 وفيها صدر الحكم بعد ان أودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به .
* المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة، وبعد المداولة .
ومن حيث ان الطعن قد استوفى اوضاعه الشكلية .
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل حسبما يتضح من الأوراق فى ان المطعون ضدها أقامت الدعوى رقم 2361 لسنة 40 ق ضد كل من محافظ القليوبية ورئيس مركز شبين القناطر التابع للمحافظة مطالبة الحكم بوقف تنفيذ وإلغاء القرار الإدارى رقم 7 لسنة 1986 بإلغاء ترخيص محلات لبيع الخمور المتواجدة بدائرة مركز ومدينة شبين القناطر وأحقيتها فى ممارسة النشاط المرخص به بالترخيص رقم 6205 فى 1/1/1956 وإلزام الجهة الإدارية المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، وذلك تأسيسا على انها هى وأولادها القصر يمتلكون خلفا عن مورثهم ...... محلا تجاريا كائنا بشارع بورسعيد بمدينة شبين القناطر بمقتضى الترخيص رقم 6205 فى 1/1/1956 ونوع النشاط (بقالة وبيع خمور مغلقة) وللمحل سجل تجارى بذات النشاط ونظرا لان المطعون ضدها هى الوصية على أولادها القصر فقد كلفتها النيابة الحسبية بإدارة المحل لصالح الورثة الممثلين فيها، ونقل الرخصة باسم الورثة الشرعيين : فتقدمت بطلب الى قسم رخص المحلات بالوحدة المحلية بشبين القناطر غير انها فوجئت بكتاب مؤرخ 17/2/1986 يفيدها بصدور القرار رقم 7 لسنة 1986 بإلغاء تراخيص جميع محلات بيع الخمور المتواجدة بدائرة مركز ومدينة شبين القناطر، وان الترخيص المذكور اصبح قاصر علي نشاط بيع البقالة فقط ونعت المدعية المطعون ضدها على القرار الطعين عدم استناده الى سبب صحيح فى القانون وصدوره بغير مبرر واخلاله بحق دستورى للتاجر للتاجرة فيما يشاء فى حدود القانون، فطالما استصدر ترخيصا من الجهة المختصة بذلك فليس من حق السلطة المختصة ان تحرم على مواطنى بلدة معينة الاتجار فى الخمور دون باقى انحاء الجمهورية لاسيما وانه ليس للمطعون ضدها أو لولداها القصر مورد رزق آخر سوى المحل الصادر له الترخيص بالاتجار فى الخمور، مما جعل القرار يضر ضررا بليغا بها وبأولادها.
وقد أجابت الجهة الإدارية على الدعوى بمذكرة جاء بها ان القرار المطعون فيه قد صدر بناء على توصية المجلس الشعبى المحلى لمحافظة القليوبية بضرورة إلغاء تراخيص محلات بيع الخمور بدائرة المحافظة وبالتطبيق لأحكام المادة 12 فقرة 8، 13 من القانون رقم 43 لسنة 1979من قانون نظام الحكم المحلى التى تعطى للمجلس الحق فى إصدار التوصيات المتعلقة بصيانة الأمن والنظام وبأن المجلس الشعبى المحلى للمحافظة استهدف فى توصيته بطلب إلغاء تراخيص محال بيع الخمور فى المحافظة لتحقيق مصلحة قومية لاهالى شبين القناطر تطبيقا لمبادئ الشريعة الإسلامية التى تحرم بيع الخمور او تداولها خاصة وانه لا يوجد بدائرة المركز غير هذا المحل المرخص له بجانب نشاط البقالة وان صدور مثل هذا القرار انما كان تعبيرا عن رغبة شعبية توقف هذا النوع من النشاط تفاديا للاضرار الاجتماعية والصحية التى تنجم عن تناول الخمور، والتى قد تمتد الى حد تهديد النظام والأمن المحلى .
وبجلسة 19/11/1987 اصدرت محكمة القضاء الإدارى حكمها الطعين القاضى بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه وإلزام الجهة الإدارية المصروفات وشيدت قضاءها على انه ولئن كانت المادة 16 من القانون رقم 453 لسنة 1954 بشأن المحال الصناعية والتجارية قد اعطت الجهة الإدارية الحق فى إلغاء رخصة المحل فى أحوال متعددة من بينها حالة ماذا كان فى استمرار إدارة المحل خطرا داهم على الصحة العامة او على الأمن يتعذر تداركه الا انه يشترط لتحقيق هذه الحالة ان يكون لها وجود حقيقى بأن ينبئ فى التقدير المنطقى السليم للامور بأن ثمة خطرا يتهدد الأمن العام او الصحة العامة يتعذر تداركه ويقتضى من الاجهزة القائمة إلغاء رخصة المحل تقديرا من الشارع لما ينطوى عليه هذا الأجراء من مساس مباشر بحريات الأفراد القائمين على إدارة واستغلال المحلات المذكورة الأمر الذى يقتضى بالضرورة ثبوت الحالة الواقعية لإلغاء الرخصة فاذا كان الثابت ان الجهة الإدارية لم تقدم ثمة دلائل جدية على قيام هذا الخطر الذى يتهدد الأمن العام او الصحة العامة من جراء إدارة النشاط محل الدعوى، فان ما استندت إليه جهة الإدارة فى إصدارها للقرار المطعون فيه يكون غير قائم على سند من القانون مما يوفر ركن الجدية فى طلب المدعية الذى توافر ركن الاستعجال لما يرتبه من اضرار يتعذر تداركها لحرمان المدعية من نشاطها الملغى، واهابت المحكمة فى نهاية حكمها بولاية الامور والقائمين على التشريع بالسعى الحثيث نحو تحريم الاتجار فى هذا النشاط الذى يعد مفتاحا للشرور والاثام .
ومن حيث ان الجهة الطاعنة قد أقامت طعنها الماثل على ان الحكم الطعين قد اخطأ فى تطبيق القانون وتأويله فصدر متناقضا فى اسبابه ونتائجه واضحى خليقا بالإلغاء، ذلك ان القرار المطعون فيه قد صدر بناء على توصية اجتماعية من المجلس الشعبى المحلى لمحافظة القليوبية بإلغاء تراخيص جميع محلات بيع الخمور بدائرة المحافظة تفاديا للأضرار الاجتماعية والصحية الناجمة عنه فضلا عن انه استند الى صحيح حكم المادة (16) من القانون رقم 453/1954 مستهدفا تحقيق الصالح العام الذى يعلو على الصالح الخاص طبقا لما استقرت عليه أحكام المحكمة الإدارية العليا قد اعترف الحكم المطعون فيه صراحة بتوافر الحالة الواقعية المدبرة لذلك والناجمة عن تناول الخمور والمسكرات وانها مفتاح لكثر من الشرور والاثام الامر الذى ينهار معه ركن الجدية مما يصم الحكم بالتناقض والقصور فى التسبيب فضلا عن ان النشاط ببيع الخمور الملغى هو جانب من النشاط الذى كان مرخصا به وهو البقالة التى ظل الترخيص بها قائما مما ينفى ركن الاستعجال لانعدام الآثار التى يتعذر تداركها.
ومن حيث انه وفقا لصريح نصوص الدستور فان النظام الاقتصادى محتوم على الكتابة والعدل بما يحول دوق الاستغلال ويكفل الكسب المشروع ( م 4 ) كما يكفل تكافؤ الفرص لجميع المصريين ( م 8 ) وتتمثل الملكية الخاصة فى رأس المال غير المستغل وينظم القانون أداء وظيفتها الاجتماعية فى خدمة الاقتصاد القومى وفى إطار خطة التنمية دون انحراف او استغلال ودون ان تتعارض طرق استخدامها مع الخير العام للشعب ( م 32 ) والملكية الخاصة مصونه وهى لا تمس الا وفقا لأحكام الدستور والقانون (م 34).
وقد نصت المادة ( 40) من الدستور على ان المواطنين لدى القانون سواء وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة ولا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الجنس أو الأصل او اللغة او الدين أو العقيدة وقد جعل المشرع الدستورى كل ذلك فى إطار الشرعية وسيادة القانون فهو أساس الحكم فى الدولة وتخضع الدولة للقانون (64)، (65) .
ومن حيث ان المشرع قد نظم فى القانون رقم 453 لسنة 1954 فى شأن المحال الصناعية والتجارية والأحكام الخاصة بإصدار تراخيص هذه المحلات وتسيير نشاطها ونقلها وحدد الحالات الخاصة بإلغائها فنص فى المادة الرابعة منه على ان :
يعلن الطالب بالموافقة على موقع المحل او رفضه فى ميعاد لا يجاوز ستين يوما من تاريخ دفع رسوم المعاينة، ويعتبر فى حكم الموافقة فوات الميعاد المذكور دون تصدير اخطار الطالب بالرأى كما نصت المادة التاسعة على ان : الرخص التى تصرف طبقا لأحكام هذا القانون دائمة ما لم ينص فيها على توقيتها ……….. كما نصت المادة الرابعة عشر على انه ..... فى حالة وفاة المرخص له يجب على من آلت إليهم ملكية المحل إبلاغ الجهة المختصة خلال أسبوعين من تاريخ الوفاة بأسمائهم وباسم من ينوب عنهم فى إدارة المحل... وعليهم اتخاذ إجراءات نقل الترخيص إليهم خلال اربعة شهور من تاريخ الوفاة، والا جاز إغلاق المحل او ضبطه بالطريق الإدارى ونصت المادة السادسة عشر على ان تلغى رخصة المحال فى الأحوال الاتية :
1-…………….2-..............3-.............4-............5- ..............
6 - اذا اصبح المحل غير قابل للتشغيل او اصبح فى استمرار إدارته خطر داهم على الصحة العامة او على الأمن يتعذر تداركه.
ومفاد النصوص المتقدمة ان الترخيص بحسبان اشتراطه يشكل قيدا على حرية ممارسة النشاط التجارى وتنظيما لمباشرة المالك للوظيفة الاجتماعية للملكية فى إطار الدستور والقانون بما يكفل تحقيق أهداف الضبط الإدارى من حماية الصحة العامة والأمن العام والسكينة العامة وتوفير الخدمات لجمهور المواطنين فانه يصدر بصفة مستمرة ودائمة لموافقته للأصل العام من حيث تنظيم مباشرة النشاط التجارى فى إطار الأسس الدستورية والقانونية سالفة البيان، ولا يجوز بعد إصداره للترخيص طبقا للقانون - إلغاؤه او تعديله الا فى الحالات التى نص عليها القانون المذكور فى المادة (16) على سبيل الحصر، واية ذلك ان المشرع قد اكد فى المادة الرابعة عشر ان وفاة المرخص له لا تؤدى بذاتها الى إلغاء الترخيص بل ان الرخصة تنتقل تلقائيا الى ورثته دون تدخل من الجهة الإدارية كل ما يلقيه القانون على الورثة من اعباء هو ابلاغها باسماء الورثة ومن ينوب عنهم فى إدارة المحل لاتخاذ اجراء نقل الترخيص باسمائهم وتحديد مسئوليتهم تجاه السلطة المختصة عند تنفيذ القوانين عند ممارستهم للنشاط ومرد ذلك الى ان الترخيص الذى رسم المشرع حدوده وضوابطه قد جاء للتوفيق بين مقتضيات الحرية وموجبات النظام العام، فوجب الا يحرم المواطن من حقه الاصيل فى ممارسة نشاطه المقرر بمقتضى الدستور سواء بالامتناع عن إصدار الترخيص او بإلغائه او تعديله الا اذا كان مخالفا للاشتراطات التى اوجبها الشارع او كان تشغيله مهددا للنظام العام والاداب او اصبح كذلك بعد إصدار الترخيص ومقتضى ذلك انه لا يجوز للسلطة المختصة ان تتناول الترخيص الذى اصدرته من قبل بالتعديل او الإلغاء الا اذا توافرت حالة من الحالات المنصوص عليها قانونا على الوجه انف الذكر .
فاذا كان الثابت من الأوراق ان المطعون ضدها قد ورثت هى واولادها القصر المشمولين بوصايتها محلا بدائرة شبين القناطر وعندما تقدمت الى الوحدة المحلية طالبة نقل الترخيص باسمائه، واولادها اخطرتها الوحدة بأن الترخيص قد عدل بإلغاء الترخيص ببيع الخمور استنادا الى صدور القرار رقم 7 لسنة 1986 بإلغاء تراخيص محلات الخمور بدائرة مركز شبين القناطر نظرا للاضرار الاجتماعية والصحية و الأمنية المترتبة على عملية تداول وتعاطى الخمور ومخالفتها للقيم الدينية والاعراف الاجتماعية وبصفة خاصة الشريعة الإسلامية التى تعد مصدرا للتشريع ان هذا الحظر يجب ان يرد به نص فى قانون لما فيه من مساس وقيود وحظر لبعض انواع النشاط الفردى من جهة ومن أسقاط للتراخيص التى تكون قد صدرت حسب الاوضاع القانونية القائمة من جهة اخرى.
ومن حيث انه لا يسوغ الحجاج فى أحكام الشريعة الإسلامية لإلغاء القرار الذى جعل المشرع الدستورى من مبادئها السمحة مصدرا رئيسيا للتشريع فلا مراء ان الخطاب موجه الى السلطة التشريعية الوحيدة فى الدولة التى يتوجب عليها ان تبحث التشريعات الوضعية المختلفة مدنية كانت او جنائية او اقتصادية وان تنقها من النصوص التى تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية مستلهمة مبادئها العامة وأحكامها الشاملة لتتدفق نقية فى شرايين التشريعات المختلفة بطريقة متوازنة فى كافة انحاء الجمهورية والى ان يتثق هذا النظام التشريعى ويستكمل قوته الملزمة فان التشريعات السارية فى الوقت الحاضر تظل نافذة بحيث لا يسوغ لاية جهة إدارية مخالفتها بحجة تنفيذ قواعد الشريعة الإسلامية، او تضع من القواعد ما يتعارض مع هذه القوانين بمقولة تطابقها مع أحكام هذه الشريعة، ولا اصبح النظام القانونى فى الدولة مسخا تبرأ منه كل الشرائع، اصبح الناس فى فوضى يحكمون لانفسهم بما تشتهى أهوائهم من قواعد وصنعوا بأنفسهم نظم وما انزل الله بها من سلطان .
ومن حيث انه من المسلمات انه لا يجوز تفسير نص فى الدستور او القانون بمعزل عن باقى نصوصه وأحكامه من جهة، كما لا يسوغ الانحراف عن صريح عبارته عن حقيقة المراد بها لغة وقانونا وفقا لقواعد التفسير السليمة المستقرة فى اصول الفقه ومن ثم فانه يتعين مهمة تفسير نص المادة (2) من الدستور القائم التى تقضى بأن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع فى ضوء الاعمال التحضيرية للنص والتى ادت الى وضعه فى موضوعه من الباب الاول الخاص بالدولة فى أحكام الدستور بعد تعديله بناء على موافقة الشعب فى الاستفتاء الذى تم فى 22 من مايو سنة 1980 من جهة وايضا فى ضوء المبادئ والاسس التى تضمنتها أحكام الدستور وبينها الأحكام السالف بنائها وأحكام المحكمة الدستورية العليا سنة 81 رقم 5 لسنة 1 جلسة 16 مايو وجلسة 16 فبراير سنة 1980 قضية رقم 13 لسنة 1 ق جلسة 3 يناير 81 قضية 28 لسنة 30 أحكام المحكمة الدستورية العليا جلسة 21 ديسمبر سنة 1985 قضية رقم 47 لسنة 4 ق بجلسة 4 مايو سنة 1980 قضية رقم 20 لسنة 1 ق وليس شك فى ان الخطاب موجه من المشرع الدستورى الى المشرع العادى بشأن التزامه بأحكام الشريعة الإسلامية فيما تضمنه من تشريعات وان ينفى تشريعيا ما قد يوجد فى التشريعات القائمة من أحكام قد تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وتقوم أحكام الشريعة الإسلامية علي احترام ما يدين به ويعتقده اهل الكتاب فلهم ما لنا وعليهم ما علينا وهذا ما نص عليه صراحه فى تقرير اللجنة العامة لمجلس الشعب التى اعدت تعديل المادة الثانية من الدستور على النحو السالف الذكر ومن ثم فان من المسلمات بافتراض ان الترخيص ببيع الخمر فى محلات او مواقع محددة قد يستلزمه الصالح العام او أحكام الشريعة الإسلامية رغم كونها لا تحرم على الذمى شراء وحيازة وبيع الخمر وفقا لدينه او عقيدته وشريعته ولان القول بتلك الأسباب لا تكفى بذاتها لحمل القرار الطعين محمل الصحة اذاء احتمال وقوع الاضرار الاجتماعية الصحية والأمنية المشار إليها بالقرار لا ترقى الى مرتبة الخطر الداهم الذى يتعذر تداركه، اذ من غير المنطقى او المتصور ان تؤدى بيع بعض زجاجات الخمر المغلقة من محل البقالة وحده الذى ورثته المطعون ضدها وأولادها بهذه الحالة من مورثها الى إثارة المشاجرات والمشاحنات التى تشكل خطرا داهما على الأمن العام او الصحة العامة فى الوقت الذى لا مؤدى فيه احتساء الخمر المسموح به فى المحلات العامة السياحية والتى تغذيها المستودعات والمصانع المرخص بها الى تحقيق هذا الحظر ولو كان صحيحا ان القرار الطعين هو وقوع الخطر الناجم عن احتساء الخمر لا تبسط الحظر على كل اوجه تداول الخمر سواء داخل دائرة المدينة او خارجها، وهو امر يملكه المشرع وليس رئيس الوحدة المحلية لمدينة شبين القناطر الأمر الذى يجعل القرار غير منتج لاثره او محققا لغايته فى وقوع الخطر الداهم على الأمن العام او الصحة العامة، ذلك ان الأجراء الضابط الذى يسوغ للسلطة المختصة اتخاذه على حساب الحريات العامة لا يجد سنده المشروع الا فى قدرته على دفع الخطر الذى يتعذر تداركه سواء باتخاذ الإجراء بحيث يصبح آخر سهم فى الكنانه لدى جهة الإدارة يضرب ليصيب الهدف، فاذا لم يكن من المقطوع به ان مؤدى الإجراء الضابط الى تحقيق هذه الغاية تمحص ان يكون قيدا غير مشروع على الحرية وعلى حق الملكية لا بقوة القانون، ومن ثم فاذا كان الاجراء الذى اتخذه رئيس الوحدة المحلية لمدينة شبين القناطر صدور قرار بإلغاء تراخيص بيع الخمور المتواجدة فى دائرة مدينة معينة، فضلا عن أنه لا يقوم على نص يقرره القانون باعتباره قيدا على النشاط الاقتصادى الفردى والملكية الفردية لابد ان يتضمن قانون تقرره السلطة التشريعية لتحقيق بمقتضى عموم أحكامه وتجريدها مبدأ المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص لكل من يسرى عليهم من المواطنين، فان هذا القرار الذى لا سند له فى قانون لا يواجه بذاته بحسب حقيقة الحال خطرا داهما على الصحة العامة او الأمن العام يتعذر تداركه بإجراء آخر لا يمس الملكية الخاصة او حرية ممارسة النشاط ونتيجة ذلك ومن ثم فانه لا يصلح بذاته لدفع هذا الخطر - ان تحقق - مادام لا يملك منع المواطنين الذين اعتادوا على احتساء الخمر من جلبها بالوسائل المختلفة او احتسائها فى المحلات العامة سواء داخل دائرة المدينة او خارجها فى كافة المستودعات والمصانع والمحلات التى تصرح الدولة لها ببيع الخمور وتداولها على الوجه الذى يفقد القرار سنده وغايته ويجعله موجها لحرمان طائفة من المواطنين ومن بينهم المطعون ضدها، ومن حقهم الدستورى فى ممارسة نشاطهم التجارى المشروع، والذى تعتمد عليه المطعون ضدها فى معاشها ويكون جانبا هاما من مورد رزقها بمحل البقالة المورث لها ولأولادها القصر الذين تولت الوصاية عليهم وقد لا تستطيع الاستغناء عنه فى ممارسة حياتها الطبيعية لاسيما ومن حيث انه بناء على ما سلف بيانه يكون الحكم الطعين قد اصاب الحق فيما انتهى إليه من وقف تنفيذ هذا القرار بعد ان عجزت الجهة الإدارية عن تقديم ايه دلائل جدية على قيام حالة الخطر الحقيقى الحال الذى يهدد الأمن العام او الصحة العامة او السكينة العامة مما يوفر ركن الجدية فى طلب المدعية فضلا عن توافر ركن الاستعجال لما يرتبه القرار من اضرار يتعذر تداركها نتيجة حرمانها من التكسب من نشاطها الملغى والاستمرار فى النشاط الموروث عن زوجها وأداء واجبها كوصية على أولادها .
ومن حيث انه لا وجه للنعى على الحكم بالقصور او التناقض فى التسبيب اذ ان عبء إثبات قيام الدلائل الجدية على حالة الخطر الداهم انما تقع على السلطة التى اتخذت القرار المقيد للحرية واذ عجزت هذه السلطة عن تقديم الدليل على قيام هذه الحالة سوى ما ثار في ذهنها من وهم حسبته انه يشكل خطرا داهما على الأمن العام او الصحة العامة وظنت خطأ ان قرارها بحظر الترخيص ببيع الخمور هو الأجراء الوحيد لدفع هذا الحظر فإن القضاء ليس مسئولا عن ان يفترض على غير أساس من الواقع الذى يسانده الدليل والسبب الذى استندت إليه لكى يحمل قرارها على الصحة، كما انه ليس من التناقض فى الأسباب ان تلجأ المحكمة فى حكمها إلى مباشرة ولاة الامور والقائمين على التشريع بالسعى الحثيث نحو تحريم هذا النشاط درءا للمفاسد واقرارا لما انزل الله، فليس فى المجتمع من ينكر ما فى تناول الخمر والمسكرات جميعها من شرور وآثام وما يعقبها من الانزلاق فى مهاوى الذل والامتهان للكرامة الإنسانية، إلا ان تنظيم ذلك وحظر التراخيص للمحال العامة القائمة والتى صدرت طبقا لأحكام القانون النافذ ليس من سلطة الوحدات المحلية والمجالس الشعبية بالمحافظات وإنما تملكه السلطة التشريعية التى تترخص حسبما سبق البيان فى تعديل الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية في الدولة وخلق المناخ الملائم لعلاج هذه المشكلة بمقتضى قواعد عامة مجردة تسرى على جميع المواطنين بغير تفرقة بين مواطن وأخر ودائرة واخرى فى إطار الشرعية وسيادة الدستور والقانون وهما أساس الحكم الشرعى فى الدولة والى هذه السلطة الشرعية موجبة الحكم يباشرها ان تضع القواعد التى ترسخ مبادئ الشريعة الغراء وبحكم الدولة بما انزل الله وفى إطار من الشرعية الدستورية التشريعية والى ان يحين هذا الأمر، فليس لاى فردا أو سلطة اخرى تندفع خارج نطاق الشرعية وسيادة الدستور والقانون لتفرض إرادتها وتأخذ بيدها سلطات المشرع وقوة التنفيذ الإدارى المباشرة بغير سند من القانون - على طائفة من المواطنين دون غيرهم فتحظر عليهم ممارسة تجارتهم بمجرد انهم يمارسونها داخل دائرة اختصاصهم بينما غيرهم من المواطنين خارج هذه الدائرة يتمتع بممارسة ذات النشاط ولو سمح القضاء بذلك لأهدرت أحكام الدستور والقانون وتمزقت وحدة النظام العام القانونى فى البلاد وسادت الفوضى التشريعية والإدارية واذ انتهج الحكم الطعين هذا النهج فأوقف تنفيذ القرار، رغم إفصاحه عما وقع فى وجدانه من ضرورة تدخل ولاه الامور لمعالجة هذا الأمر بالإدارة الشرعية السليمة، فانه يكون قد اصاب الحق فيما انتهى إليه قائما على أساس احترام الشرعية والنظام العام الدستورى والأسس الواجبة فى تحديد قواعد الضبط الإدارى وحرية النشاط الاقتصادى وحصانة الملكية الخاصة وهى من المقومات الأساسية للمجتمع لحين تعديل السلطة التشريعية بالإدارة التشريعية السليمة للأوضاع المتعلقة بترخيص المحال العامة بقانون ويكون النعى على هذا الحكم بالقصور او التناقض غير قائم على أساس سليم من القانون خليق بالرفض.
ومن حيث ان الحكومة وقد أصابها الخسر في طعنها فإنها تكون ملزمة بالمصروفات عملا بنص المادة 184 مرافعات،
* فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا ورفضه موضوعا وألزمت الجهة الإدارية بالمصروفات.